الخَرِيفُ الأَخيرُ
شِباطُ عامِ أَلْفٍ وَأَرْبَعِمائَةٍ وَاثْنَيْنِ وَتِسْعينَ
جَلَسَ أَبو يَعْقوبَ الحَجّارُ في بُسْتانِهِ، يَنْظُرُ إِلَى أَشْجارِ العَنَّابِ الَّتي غَرَسَها أَبُوهُ، وَأَبُو أَبِيهِ قَبْلَهُ.
كانَ في السَّادِسَةِ وَالخَمْسينَ مِن عُمْرِهِ، وَكانَ — في هذِهِ الأَيّامِ الأَخيرَةِ — يَشْعُرُ بِوَزْنِ كُلِّ تِلْكَ السِّنينَ.
كانَ اسْمُهُ الحَقيقِيُّ — الاسْمُ الَّذي لَمْ يَعُدْ أَحَدٌ يَجْرُؤُ عَلَى قَوْلِهِ في العَلَنِ — يوسُفُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يوسُفَ. لَكِنَّهُ — وَجَميعُ أَهْلِ قَريَتِهِ — كانوا يَعْرِفونَهُ بِـ”أَبي يَعْقوبَ”، كَما كانَ أَبُوهُ “أَبا أَحْمَدَ” قَبْلَهُ.
هذا — في عالَمِ الأَنْدَلُسِ المُتَأَخِّرَةِ — كانَ كافِياً. الاسْمُ العَرَبِيُّ لِلعائِلَةِ، الاسْمُ اللاتينِيُّ — أَوِ الكاسْتِيانِيُّ — لِلشَّخْصِ. تَنَقُّلٌ يَوْمِيٌّ بَيْنَ هُوِيَّتَيْنِ، بَيْنَ ما نَحْنُ عَلَيْهِ في البُيوتِ وَما نَتَظاهَرُ بِهِ في السُّوقِ.
لَكِنَّ هذِهِ السَّنَةَ — كَما عَرَفَ أَبو يَعْقوبَ — كانتْ سَتَكُونُ مُخْتَلِفَةً.
المُوريسكيُّونَ
لِفَهْمِ ما حَدَثَ، يَجِبُ أَنْ نَفْهَمَ مَنْ حَدَثَ لَهُ.
المُوريسكيُّونَ — “المُعَرَّبونَ الصِّغارُ” — كانوا مُسلِمينَ أَنْدَلُسيّينَ عاشوا تَحْتَ الحُكمِ الكاسْتِيانيِّ بَعْدَ سُقُوطِ غَرْناطَةَ عامَ 1492. لَمْ يَكُنْ أَبُو يَعْقوبَ — وَلَدَ عامَ 1436 — قَدْ شاهَدَ السُّقُوطَ، لَكِنَّهُ شاهَدَ ما تَلاهُ.
شاهَدَ أَنَّهُ — رَغْمَ أَنَّ “المَذْهَبَ” — أَيْ الإسلامَ — لَمْ يَعُدْ مَسْمُوحاً بِهِ رَسْمِيّاً — فَإِنَّهُ بَقِيَ حَيّاً في الخَفاءِ.
في البُيوتِ، كانتْ الصَّلاةُ تُقامُ خَفِيَّةً، الوُضوءُ يَتمُّ في اللَّيْلِ، القُرْآنُ يُحْفَظُ وَيُتَلّى بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ. في السُّوقِ، كانتْ الأَسْماءُ تَتَغَيَّرُ، الثِّيابُ تَتَغَيَّرُ، لَكِنَّ الطَّعامَ — الحَلالَ — يَبْقى.
كانَ أَبُو يَعْقوبَ — مِثْلَ جَميعِ أَهْلِ قَريَتِهِ — يَتَظاهَرُ بِالمَسيحِيَّةِ في العَلَنِ، وَيَحْتَفِظُ بِإيمانِهِ في السِّرِّ.
كانَ هذا — في النَّظَرِ إِلَيْهِ مِنَ الخارِجِ — “خِيانَةً”. لَكِنَّهُ — في الحَقيقَةِ — كانَ بَقاءً.
القَرْيَةُ المَخْفِيَّةُ
كانتْ قَريَتُهُ — تَقَعُ في وَاديٍ بَيْنَ غَرْناطَةَ وَالْمَرِيَّةَ — مِثْلاً صَغيراً لِلأَنْدَلُسِ كُلِّها.
في البُيوتِ الطِّينِيَّةِ المُتَشابِكَةِ، كانَ النَّاسُ يَعيشونَ حَياةً مُزْدَوِجَةً. الصَّباحُ: كُلَّنا نَذهَبُ إِلَى الكَنيسَةِ، نَتَلَقَّنُ التَّعاليمَ الكاثوليكِيَّةَ، نَتَظاهَرُ بِأَنَّنا — أَخيراً — قَدْ “هُدينا”.
الظُّهرُ: العَوْدَةُ إِلَى البُيوتِ، إِغْلاقُ الأَبْوابِ، وَ”الحَقيقَةُ” تَبدأُ.
كانتْ أُمُّ أَبي يَعْقوبَ — رَحِمَها اللهُ — هِيَ الَّتي عَلَّمَتْهُ الصَّلاةَ. كانتْ تَأْخُذُهُ — لَيْلاً، بَعْدَ أَنْ يَنامَ أَبُوهُ — إِلَى غُرْفَةٍ صَغيرَةٍ في الطّابِقِ السُّفْليِّ، تُضيءُ شَمْعَةً، تَفْتَحُ كِتاباً مُخَبَّأً.
“هذا قُرْآنُنا” — كانتْ تَقولُ — “هذا كِتابُ اللهِ. لَمْ يَعُدْ مَسْمُوحاً بِهِ، لَكِنَّهُ ما زالَ حَقيقَةً.”
كانَ أَبُو يَعْقوبَ — حِينَها — لا يَفْهَمُ. لِماذا نَتَظاهَرُ؟ لِماذا لا نَقولُ الحَقيقَةَ؟
“لِأَنَّهُمْ سَيَقْتُلونَنا” — كانتْ تُجيبُ — “لَكِنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما في قُلوبِنا. وَهذا — في النِّهايَةِ — هو ما يَهُمُّ.”
التَّهْديدُ الجَديدُ
في شِباطِ 1492، وَصَلَ الخَبَرُ.
غَرْناطَةُ — آخِرُ مَماليكِ المُسلِمينَ في الأَنْدَلُسِ — قَدْ سَقَطَتْ. المَلِكُ بُوعَبْد اللهُ — “بُوعَبْديلِ” كَما يَقولُونَ — قَدْ سَلَّمَ المَفاتيحَ لِلْمَلِكَيْنِ الكاثوليكِيَّيْنِ.
كانَ هذا — في النَّظَرِ إِلَيْهِ مِنَ الخارِجِ — “نِهايَةَ الأَنْدَلُسِ”. لَكِنَّ أَبا يَعْقوبَ عَرَفَ — كَما عَرَفَ جَميعُ المُوريسكيّينَ — أَنَّ الحَقيقَةَ أَعْمَقُ.
الأَنْدَلُسُ لَمْ تَكُنْ — أَبَداً — مُجَرَّدَ مَماليكَ وَقُصورٍ. كانتْ — في الحَقيقَةِ — طَريقةَ حَياةٍ، لُغَةً، أَكْلاً، لَوْناً مِنَ التَّعايُشِ. وَهذا — كُلُّهُ — ما زالَ حَيّاً في قُراهُمْ وَمُدُنِهِمْ.
لَكِنَّ التَّهْديدَ الجَديدَ كانَ أَخْطَرَ.
في كانونَ الثّانيِ مِنَ السَّنَةِ نَفْسِها، صَدَرَ مَرْسومٌ مِنَ المَلِكَيْنِ: عَلَى جَميعِ المُسلِمينَ — بَعْدَ سَنَةٍ — أَنْ “يَتَخَلَّصوا” مِنْ “عاداتِهِمْ المُخالِفَةِ”، أَوْ يُغادِرُوا.
كانَ هذا — في اللُّغَةِ الرَّسْمِيَّةِ — “تَسامُحاً”. في الحَقيقَةِ، كانَ إنْذاراً بِالطَّرْدِ.
القَرارُ
في رَبيعِ 1492، اجْتَمَعَ أَهْلُ القَرْيَةِ — في الخَفاءِ، طَبْعاً — لِيَتَشاوَرُوا.
“عَلَيْنا أَنْ نُغادِرَ” — قالَ بَعْضُهُمْ — “نَذهَبُ إِلَى المَغْرِبِ، إِلَى المَمْلكَةِ الغَرْناطِيَّةِ، إِلَى أَيْنَما يَقْبَلُنا المُسلِمونَ.”
“وَنَتْرُكُ كُلَّ شَيءٍ؟” — سَأَلَ أَحَدُهُمْ — “أَرْضَنا، بُيوتَنا، أَشْجارَنا؟”
“وَإِنْ بِقينا؟” — قالَ آخَرُ — “سَيَجْبَرونَنا عَلَى التَّنَصُّرِ. سَيَأْخُذونَ أَوْلادَنا لِيُعَلِّمُوهُمُ الكُفْرَ.”
سَكَتَ أَبو يَعْقوبَ يَسْتَمِعُ. ثُمَّ تَكَلَّمَ:
“أَنا سَأَبْقى.”
نَظَرَ إِلَيْهِ الجَميعُ.
“لَسْتُ أَقولُ أَنَّهُ الْخِيارُ الصَّحيحُ لِلجَميعِ. لَكِنَّني — أَنا — لَمْ أَعِشْ إلّا هُنا. أَبي هُنا، أُمّي هُنا، أَشْجارِي هُنا.”
“وَإِنْ أَجْبَرُوكَ عَلَى التَّنَصُّرِ؟”
“سَأَتَظاهَرُ. كَما فَعَلْنا دائِماً.”
“وَإِنْ عَرَفوا؟”
“فَسَأَمُوتُ هُنا.”
آخِرُ مَوْسِمٍ
في خَريفِ 1492، كانَ أَبُو يَعْقوبَ يَجْني العَنَّابَ — لِآخِرِ مَرَّةٍ.
كانَ العَنَّابُ — في الأَنْدَلُسِ — أَكثَرَ مِنْ ثَمَرَةٍ. كانَ رَمْزاً لِلصَّمودِ، لِلتَّواصُلِ مَعَ الأَرْضِ، لِلذَّاكِرَةِ. كُلَّ شَجَرَةٍ كانتْ تَحْمِلُ — فِي جُذورِها — قِصَّةَ عائِلَةٍ.
كانَ أَبُو يَعْقوبَ يَعْرِفُ — بِلا أَنْ يَقْرَأَ — عُمْرَ كُلِّ شَجَرَةٍ. هذِهِ غَرَسَها جَدُّهُ عِنْدَما وُلِدَ أَبُوهُ. هذِهِ غَرَسَها أَبُوهُ عِنْدَما تَزَوَّجَ. هذِهِ غَرَسَها هُوَ عِنْدَما وُلِدَ ابْنُهُ الأَوَّلُ.
وَالآنَ، وَهُوَ يَجْنِي — بِيَدَيْهِ الَّتَيْنِ بَدَأَتا تَرْتَعِشانِ — كانَ يَعْرِفُ أَنَّهُ لَنْ يَرى مَوْسِماً آخَرَ.
لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ — حينَها — أَنَّهُ لَنْ يَرى أَيَّ شَيءٍ.
المَذْبَحَةُ
في شِباطِ 1502 — عَشَرَ سِنينَ بَعْدَ سُقُوطِ غَرْناطَةَ — صَدَرَ المَرْسومُ الأَخيرُ.
عَلَى جَميعِ المُسلِمينَ — بَعْدَ أَبريلَ — أَنْ “يَتَخَلَّصوا” مِنْ “عاداتِهِمْ المُخالِفَةِ”، أَوْ يُعامَلُوا كَـ”مُرتَدّينَ”.
كانَ هذا — في اللُّغَةِ الدِّينِيَّةِ — إذْناً بِالقَتْلِ.
في أَبريلَ 1502، أُجْبِرَ أَهْلُ قَرْيَةِ أَبي يَعْقوبَ — جَميعُهُمْ — عَلَى حَضورِ “طَقْسِ التَّنَصُّرِ” في الكَنيسَةِ.
كانَ أَبُو يَعْقوبَ — حينَها — في السِّتِّينَ مِنْ عُمْرِهِ. كانَ — رَغْمَ كُلِّ شَيءٍ — قَدْ أَمْضى عُمْرَهُ في “التَّظاهُرِ”. كانَ — رَغْمَ كُلِّ شَيءٍ — يَأْمُلُ أَنْ يَمْضيَ بَقِيَّتَهُ كَذلِكَ.
لَكِنَّ — لِسَبَبٍ لَمْ يُعْرَفْ — اِشْتُبِهَ في أَمْرِهِ.
قالَ أَحَدُ الجيرانِ — لِسَبَبٍ لَمْ يُعْرَفْ — أَنَّهُ “لا يَزالُ يُصَلِّي كَمُسلِمٍ”.
كانَ هذا — في تِلْكَ الفَتْرَةِ — كافِياً.
النِّهايَةُ
في صَباحِ أَحَدِ الأَيّامِ — لَمْ يُسَجَّلْ التاريخُ أَيّامَ المُهمَشينَ — أُحْضِرَ أَبُو يَعْقوبَ إِلَى ساحَةِ القَرْيَةِ.
كانَ هُناكَ — كَما في قَرى أُخْرى — “مِحْنَةٌ” مُنَظَّمَةٌ: التَّهْمةُ، “الاعْتِرافُ”، الحُكمُ، التَّنْفيذُ.
لَمْ يَعْتَرِفْ.
“أَنا مُسلِمٌ” — قالَ — “وَلَمْ أَكُنْ — قَطُّ — غَيْرَ مُسلِمٍ.”
كانَ هذا — في النَّظَرِ إِلَيْهِ مِنَ الخارِجِ — “إلحاداً”. في الحَقيقَةِ، كانَ إيماناً.
الإرثُ
ما الإرثُ — إذاً — مِنْ قِصَّةِ أَبي يَعْقوبَ؟
لَيسَ — كَما يَظُنُّ بَعْضُنا — أَنَّ “الأَنْدَلُسَ كانتْ جَنَّةً” أَوْ أَنَّ “المُسلِمينَ كانوا مَظْلومينَ”. هذا تَبْسيطٌ.
الإرثُ — في رَأْيي — أَعْمَقُ:
أَوَّلاً: الأَنْدَلُسُ — الحَقيقِيَّةُ — لَمْ تَكُنْ مَجَرَّدَ قُصورٍ وَعُلَماءِ. كانتْ — في الحَقيقَةِ — طَريقةَ تَعايُشٍ. وَهذا التَّعايُشُ — رَغْمَ كُلِّ شَيءٍ — ما زالَ مُمْكِناً.
ثانِياً: التَّظاهُرُ — في حالَةِ الاِضْطِهادِ — لَيسَ خِيانَةً. هُوَ بَقاءٌ. وَالبَقاءُ — أَحْياناً — أَشْجَعُ مِنَ المَوْتِ.
ثالِثاً: الذَّاكِرَةُ — كُلُّ ذَاكِرَةٍ — هَشَّةٌ. إنْ لَمْ نَحْفَظْها، تَضيعُ.
في غَرْناطَةَ اليَوْمَ
تَقِفُ في غَرْناطَةَ اليَوْمَ — بَيْنَ مِلَايينِ السُّيّاحِ — وَتَنْظُرُ إِلَى الحَمْراءِ.
تَرى القُصورَ، الحِدائِقَ، النَّوافيرَ. تَرى “جَمالَ الأَنْدَلُسِ” — كَما يُقالُ.
لَكِنَّكَ — إنْ أَنْصَتَّ — قَدْ تَسْمَعُ شَيئاً آخَرَ.
قَدْ تَسْمَعُ — في الهَمْسِ — صَوْتَ أَبي يَعْقوبَ. صَوْتَ مَنْ عاشَ حَياةً مُزْدَوِجَةً، ماتَ وَهُوَ يُدافِعُ عَنْ حَقيقَةٍ لَمْ يَسْتَطِعْ قَوْلَها في العَلَنِ.
وَقَدْ تَفْهَمُ — أَخيراً — أَنَّ الأَنْدَلُسَ — الحَقيقِيَّةَ — لَيْسَتْ في الحِجارَةِ.
هِيَ في النَّاسِ. في قُصَصِهِمْ. في ذَاكِرَتِهِمْ.
وَهِيَ — في النِّهايَةِ — فينا.
مَصادِرُ
مَصادِرُ أَوَّلِيَّةٌ:
- المَقَّري، نَفْحُ الطِّيب.
- ابن الأَحْمار، قَصائِدُ.
- Archives of the Inquisition, Seville (selected documents).
دِراساتٌ حَديثَةٌ:
- Harvey, L.P. Muslims in Spain, 1500 to 1614. 2005.
- Carr, Matthew. Blood and Faith: The Purging of Muslim Spain. 2009.
- Perry, Mary Elizabeth. The Handless Maiden: Moriscos and the Politics of Religion. 2005.
دِراساتُ الهُوِيَّةِ:
- Fuchs, Barbara. Exotic Nation: Maurophilia and the Construction of Early Modern Spain. 2009.
- Garrote, María Rosa. Los moriscos: historia de una minoría. 2009.