يدٌ على يد
في 13 سبتمبر 1993، على lawns البيت الأبيض، وقف رجلان — لم يتصافحا من قبل، لم يعترف أحدهما بآخر — وصافحا. ياسر عرفات، زعيم منظمة التحرير الفلسطينية، بزيه العسكري وشماغته بالأبيض والأسود. إسحاق رابين، رئيس وزراء إسرائيل، الجنيرال السابق، المتردد، الذي قال لاحقاً إنه “تمنى أن يكون يده ممدودة لغيره”.
خلفهما، بيل كلينتون يبتسم — الرئيس الأمريكي الذي جعل “السلام في الشرق الأوسط” هدفاً. وبينهما شمعون بيريز، الحالم بالشرق الأوسط الجديد.
هذه اللحظة — “إعلان المبادئ” المعروف بـ”أوسلو” — كانت لحظة أملٍ نادرٍ في تاريخ الصراع. لكنها كانت أيضاً بداية كارثة. فأوسلو — التي كان من المفترض أن تؤدي إلى “دولة فلسطينية” خلال خمس سنوات — أصبحت بعد ثلاثين عاماً رمزاً للفشل، والاحتلال المُعمّق، والتفكك.
هذه قصةٌ عن الأمل والخداع. عن كيف يمكن للسلام أن يكون أسوأ من الحرب. وعن سؤالٍ يُحرق: ماذا لو؟
سياق الأمل واليأس
الانتفاضة الأولى
1987: اندلاع الانتفاضة الأولى — “حجارة ضد دبابات”. فلسطينيو الضفة وغزة — تحت احتلالٍ دام 20 عاماً — انتفضوا.
الانتفاضة كانت مفاجأةً لإسرائيل. الجيش — “الأقوى في المنطقة” — عجز عن السيطرة على شعبٍ عزل. الصور: أطفال يرشقون جنوداً، منازل تُهدم، قمعٌ، مقاومة.
الانتفاضة غيّرت المعادلة. أظهرت أن الاحتلال مُكلف. وأن الفلسطينيين لن يقبلوا بالذل.
منظمة التحرير في أزمة
عرفات — في تونس، بعيداً عن فلسطين — أصبح عبئاً. دعم صدام حسين في حرب الخليج (1990) كلفه دعم الخليج. منظمة التحرير مُنهكة، مُنعزلة، تبحث عن مخرج.
إسرائيل تبحث عن مخرج
إسرائيل — رغم قوتها العسكرية — كانت في أزمة. الانتفاضة كشفت “الوجه القبيح” للاحتلال. الاقتصاد يعاني. الجيل الجديد لا يريد الجيش.
اليسار الإسرائيلي — بقيادة حزب العمل — أراد “سلاماً” يُبقي إسرائيل “يهودية وديمقراطية” — أي تخلصاً من الفلسطينيين كمواطنين.
القنوات السرية
1992: قنوات سرية — في أوسلو، النرويج — بين إسرائيليين أكاديميين وفلسطينيين من منظمة التحرير.
النرويج — محايدة، بعيدة — كانت المكان المثالي. المفاوضات استمرت شهوراً، سراً، بعيداً عن الأضواء.
بنود أوسلو
“إعلان المبادئ”
13 سبتمبر 1993: “إعلان المبادئ” — “أوسلو أ”.
الاعتراف المتبادل: إسرائيل تعترف بمنظمة التحرير ممثلاً للشعب الفلسطيني. منظمة التحرير تعترف بإسرائيل وتتنازل عن “الكفاح المسلح”.
المناطق: الضفة وغزة تُقسمان إلى:
- أ: تحت سيطرة فلسطينية كاملة (المدن)
- ب: سيطرة مشتركة (القرى)
- ج: تحت سيطرة إسرائيلية (المستوطنات، الطرق، الأمن العام)
السلطة الفلسطينية: إنشاء “سلطة وطنية فلسطينية” ذاتية الحكم.
الجدول الزمني: انتخابات خلال 6 أشهر. مفاوضات “الوضع النهائي” — الحدود، القدس، اللاجئين، المستوطنات — خلال 5 سنوات.
أوسلو 2 (1995)
28 سبتمبر 1995: “اتفاقية إعادة الانتشار” — “أوسلو 2”.
تفاصيل أكثر: انسحابات إسرائيلية إضافية، توسيع السلطة الفلسطينية. لكن القدس، المستوطنات، اللاجئين — مُؤجلة.
الأمل يتبدد
الاغتيال
4 نوفمبر 1995: رابين يُغتال — بيد يهودي متطرف، معارضٍ لأوسلو.
الاغتيال غيّر كل شيء. رابين — رغم تردده — كان الضامن الإسرائيلي. بدونه، أوسلو أصبحت يتيمة.
اليمين يعود
1996: بنيامين نتنياهو — معارضٌ لأوسلو — يفوز بالانتخابات.
نتنياهو — ومن بعده شارون — لم يريدا تنفيذ أوسلو. المستوطنات تتضاعف. الانسحابات تتوقف.
الانتفاضة الثانية
2000: زيارة شارون للمسجد الأقصى — أو “الانتفاضة” — تُشعل الانتفاضة الثانية.
عنفٌ مُتبادل: عمليات فدائية في إسرائيل، قصفٌ إسرائيلي، اجتياحات، اغتيالات.
أوسلو — رسمياً — تنتهي.
لماذا فشلت أوسلو؟
العيوب الهيكلية
المناطق: تقسيم الضفة إلى “أ، ب، ج” جعل “الدولة الفلسطينية” غير قابلة للحياة — جزرٌ منفصلةٌ، محاطةٌ بإسرائيل.
المستوطنات: لم تُتوقف. بل تضاعفت. اليوم: 700,000 مستوطن في الضفة والقدس الشرقية.
القدس واللاجئين: مُؤجلة — لكن إسرائيل لم تُريد التفاوض فيهما.
الأمن: الفلسطينيون تخلّوا عن “المقاومة”، لكن الاحتلال استمر.
الخداع المتبادل؟
الفلسطينيون: رأوا أوسلو “خطوة” نحو الدولة. لكن إسرائيل رأتها “إدارة” للاحتلال.
الإسرائيليون: اليسار أراد “فصل” عن الفلسطينيين. اليمين أراد الاستمرار في الاحتلال.
الأمريكيون: أرادوا “إنجازاً” — لكنهم لم يُضغطوا على إسرائيل.
عرفات: البطل والفاشل؟
عرفات — “أبو عمار” — كان رمزاً للمقاومة. لكنه كان أيضاً ديكتاتوراً، فاسداً، غير قادرٍ على بناء دولة.
أوسلو منحته السلطة — لكنها جعلته “حارساً” للاحتلال، لا مُحرراً.
الإرث المدمر
السلطة الفلسطينية
السلطة الفلسطينية — التي وُلدت من أوسلو — أصبحت عبئاً. فاسدة، غير فعالة، تعتمد على المساعدات، تُنسّق أمنياً مع إسرائيل.
الفلسطينيون — بدلاً من الدولة — حصلوا على “سلطة ذاتية” محدودة تحت الاحتلال.
الانقسام
2007: حماس تستولي على غزة — انقسام فلسطيني. الضفة للسلطة (فتح)، غزة لحماس.
أوسلو — التي كان من المفترض أن تُوحد — فرّقت.
اليأس والعنف
الشباب الفلسطيني — جيل أوسلو — يشعر بالخيانة. لا دولة، لا حقوق، لا مستقبل.
اليأس يُولد العنف — “عمليات فردية”، انتفاضات، هجرة.
الفصل السادس: دروس أوسلو
ما تُعلمناه
السلام يحتاج إلى إرادة: الطرفان — أو أحدهما — لم يكونا مستعدين للتضحية الحقيقية.
الشكل لا يكفي: “اتفاقية” بدون تنفيذ، بدون رقابة، بدون ضمانات — هي لا شيء.
القوة تحدد: إسرائيل — الأقوى — لم تُضطر للتنازل. الفلسطينيون — الأضعف — اضطروا للقبول بالقليل.
الوقت مهم: كلما تأخر السلام، تعمق الاحتلال، صعب الحل.
السؤال الأخير
هل كان يمكن أن يكون مختلفاً؟ لو كان رابين عاش؟ لو كان عرفات أقل فساداً؟ لو ضغطت أمريكا أكثر؟
لكن “ماذا لو” لا تُبني عليها السياسة. الحقيقة: أوسلو فشلت. والفشل كلف — ويكلف — الجميع.
مصادر
- Savir, U. (1998). “The Process: 1,100 Days That Changed the Middle East.” Random House.
- شهادة من الداخل — أوري سافير، المفاوض الإسرائيلي
- Malley, R., & Agha, H. (2001). “Camp David: The Tragedy of Errors.” New York Review of Books.
- تحليل نقدي لفشل كامب ديفيد 2000
- Shlaim, A. (2000). “The Iron Wall: Israel and the Arab World.” W.W. Norton.
- تاريخ إسرائيل والفلسطينيين
- Abbas, M. (1994). “Through Secret Channels.” Garnet Publishing.
- شهادة فلسطينية — محمود عباس (أبو مازن)
- Enderlin, C. (2003). “Shattered Dreams: The Failure of the Peace Process in the Middle East, 1995-2002.” Other Press.
- الصحفي الفرنسي وشهادته
المصادر الإضافية
- Rabinovich, I. “Waging Peace.” Princeton University Press, 2004.
- Pundak, R. “From Oslo to Taba.” Palestine-Israel Journal, 2001.
- Hanieh, A. “The Oslo Illusion.” Middle East Report, 1995.