في صيف عام 1972، حطّت طائرة الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون في مطار بكين، منهيةً عقدين من العزلة المتبادلة بين الولايات المتحدة والصين الشيوعية. لم تكن الزيارة مجرد حدث دبلوماسي؛ كانت انقلاباً استراتيجياً أعاد رسم خريطة الحرب الباردة. نيكسون، بمساعدة مستشاره هنري كيسنجر، نجح في استغلال التوتر الحدودي المتفاقم بين الصين والاتحاد السوفيتي، فاقتطع بكين من المعسكر الشيوعي وأضعف موسكو من دون إطلاق رصاصة واحدة. اليوم، يحاول دونالد ترامب تكرار تلك الخدعة التاريخية، لكن مع عكس الأدوار: استمالة روسيا لعزل الصين. الفارق الجوهري أن الظروف التي صنعت نجاح 1972 غير موجودة الآن، والرهان الترامبي يواجه عوائق بنيوية قد تُفضي إلى نتيجة عكسية تماماً.
استراتيجية “الحربين” وانهيارها
منذ نهاية الحرب الباردة، بنت الولايات المتحدة عقيدتها العسكرية على افتراض قدرتها على خوض حربين كبيرتين في آن واحد. في عام 1997، أصدرت وزارة الدفاع الأمريكية وثيقة استراتيجية أكدت أن القوة العظمى يجب أن تكون قادرة على “التفوق في مسرحين رئيسيين متزامنين”. هذا الافتراض منح واشنطن الثقة لغزو العراق عام 2003 بينما كانت لا تزال غارقة في أفغانستان. لكن مع مرور الوقت، بدأت الشكوك تتسلل إلى صفوف صناع القرار.
في مايو 2022، أدلى الأدميرال مايكل غيلدي، رئيس العمليات البحرية آنذاك، بشهادة صادمة أمام لجنة القوات المسلحة في الكونغرس. قال بوضوح إن الجيش الأمريكي “لا يملك القوة بالحجم الكافي للتعامل مع صراعين في آن واحد”، مضيفاً أن القوات الأمريكية تستطيع “أخذ صراع واحد بشكل كامل، والصراع الثاني يمكن خوضه بغرض إبقاء الخصم تحت السيطرة، لكن ليس بالضرورة هزيمته”. هذه الشهادة كانت إقراراً ضمنياً بأن استراتيجية “الحربين” قد انتهت عملياً، وتحولت إلى ما يمكن تسميته “الحرب ونصف”.
التحول الاستراتيجي هذا لم يكن اختيارياً. فبعد أزمة 2008 المالية، فرضت إجراءات التقشف ضغوطاً على الميزانية الدفاعية. في الوقت نفسه، كانت التطورات الجيوسياسية تشير إلى أن المواجهات المقبلة لن تكون مع قوى إقليمية متوسطة، بل مع منافسين كبار يمتلكون ترسانات نووية وتقنيات متقدمة. غزو روسيا لجورجيا عام 2008 ثم ضم شبه جزيرة القرم عام 2014، أظهر أن موسكو عازمة على استعادة نفوذها بوسائل عسكرية. في المقابل، كانت الصين تنمو بوتيرة غير مسبوقة، متحولة من “مصنع العالم” إلى منافس تكنولوجي حقيقي.
التقارب الروسي-الصيني: علاقة غير مسبوقة
على مدار تاريخهما الطويل، لم تكن العلاقات بين روسيا والصين ودية. فالخلافات الحدودية، والتنافس على النفوذ في آسيا الوسطى، والاختلاف الأيديولوجي بين الشيوعية السوفيتية والماوية، خلقت جداراً من عدم الثقة استمر عقوداً. لكن هذا الواقع تغير بشكل جذري في السنوات الأخيرة.
بين عامي 2013 و2023، التقى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الصيني شي جين بينغ حوالي 42 مرة. هذا الرقم يتجاوز بكثير تواتر اللقاءات بين أي زعيمين في العالم. لكن الأرقام وحدها لا تصور الصورة كاملة. فمنذ عام 2012، وباستثناء عام 2020 الذي شهد جائحة كورونا، أجرى الجيشان الروسي والصيني تدريبات عسكرية مشتركة سنوياً. هذه التدريبات لم تكن رمزية؛ شملت مناورات بحرية في بحر الصين الجنوبي، وتدريبات جوية مشتركة، وتبادلاً للتقنيات العسكرية.
في فبراير 2022، قبل ثلاثة أسابيع بالضبط من الغزو الروسي لأوكرانيا، زار بوتين بكين والتقى شي جين بينغ. أعلن الجانبان آنذاك “شراكة استراتيجية شاملة” بلا حدود زمنية. لم يُكشف عن تفاصيل المحادثات السرية، لكن التوقيت نفسه يوحي بتنسيق مسبق. الصينيون، من منطلقهم، راقبوا الحرب الروسية-الأوكرانية باهتمام شديد، ليس فقط لمعرفة كيف تسير الأمور، بل لفهم كيف يمكن أن ترد الولايات المتحدة وحلفاؤها على غزو محتمل لتايوان.
العقوبات الغربية التي تلت الغزو الروسي كانت قاسية بلا سابق. أكثر من 24 ألف عقوبة مفروضة على روسيا، منها حوالي 21,700 بعد فبراير 2022. شملت العقوبات تجميد أصول البنك المركزي الروسي البالغة نحو 300 مليار دولار، وطرد البنوك الروسية من نظام سويفت المالي الدولي. في ظل هذه الظروف، كانت الصين الشريان الرئيسي الذي سمح لروسيا بالصمود. لم تُرسل بكين أسلحة مباشرة، لكنها زوّدت موسكو بمواد ذات استخدام مزدوج — رقائق إلكترونية، وكيماويات صناعية، ومكونات يمكن تحويلها لأغراض عسكرية — مكّنت الصناعة الدفاعية الروسية من الاستمرار في إمداد القوات على الجبهة.
النتيجة كانت ارتفاعاً حاداً في التجارة الثنائية. من 88 مليار دولار عام 2014، قفز حجم التبادل التجاري إلى 240 مليار دولار عام 2024. لكن الأهم من الأرقام هو السابقة التي أرساها هذا التعاون. الصين قدمت الدعم لروسيا في أزمتها، وهي تتوقع — بل تتطلب — المقابل عندما تشتبك مع الولايات المتحدة حول تايوان.
دراسة ماسترو: سيناريو الحرب المزدوجة
في دراسة موسعة أعدتها إيلينا سكايلر ماسترو، أستاذة العلوم السياسية في جامعة جورج تاون، تحت عنوان “التحالف العسكري الروسي-الصيني وتداعياته على الأمن العالمي”، تناولت الباحثة سيناريوهات التعاون العسكري بين موسكو وبكين في حالة صراع محتمل مع الولايات المتحدة.
خلصت ماسترو إلى أنه في حال نشوب حرب بين الصين والولايات المتحدة بسبب تايوان، فإن روسيا ستقدم للصين معدات عسكرية، واستخبارات، ومواد حربية حاسمة. لكن الأبعد من ذلك، تشير الدراسة إلى احتمال أن تقوم روسيا بطوق بعض المناطق في محيط الصراع، بحجة الدفاع عن أمنها القومي. هذا التحرك سيضيق نطاق المناورة المتاح للجيش الأمريكي، الذي لن يكون قادراً على مهاجمة الصين إلا من اتجاهات محدودة، مما يُضعف قدرته على تحقيق التفوق الجوي والبحري.
الرسالة واضحة: التحالف الروسي-الصيني ليس مجرد تفاهم سياسي، بل بنية دفاعية متكاملة تُضاعف من قوة كل طرف على حدة. مواجهة أي منهما وحدها تحدٍ هائل، أما مواجهتهما معاً فهي مهمة تتجاوز القدرات الأمريكية الحالية.
رهان ترامب: عكس نيكسون
في أكتوبر 2024، قبل أسابيع من الانتخابات الرئاسية، أدلى دونالد ترامب بتصريح لافت لقناة “تكر كارلسون”. قال: “الشيء الوحيد الذي لا نريده أبداً هو اتحاد روسيا والصين. أنا سأضطر لفك الوحدة بينهما، وأعتقد أنني أستطيع فعل ذلك.” هذا التصريح، إلى جانب وعده “إنهاء الحرب في أوكرانيا خلال 24 ساعة”، يكشف عن استراتيجية واضحة: استمالة روسيا بأي ثمن لعزل الصين.
بعد توليه الرئاسة في يناير 2025، سارع ترامب إلى ترجمة هذه الاستراتيجية على أرض الواقع. في اجتماع مغلق في الرياض مع مسؤولين روس، تخلت الولايات المتحدة عن موقفها التقليدي الداعم لأوكرانيا، ووجهت انتقادات لاذعة للأوروبيين وحلفاء الناتو. بلغ الأمر حد اتهام أوكرانيا بأنها “السبب في اندلاع الحرب”، وهو ما يُعد انقلاباً كاملاً في الخطاب الأمريكي.
كيث كيلوج، مبعوث ترامب لشؤون أوكرانيا، أوضح الاستراتيجية في مؤتمر ميونخ للأمن. قال إن الإدارة الأمريكية “ستحاول إجبار بوتين على أشياء لا يريدها، مثل كسر التحالف مع الصين”. وزير الدفاع الأمريكي بيت هيجس أكد الأولويات الأمنية للسنوات الأربع المقبلة في اجتماع بناتو: “الأمن على الحدود الأمريكية، والصين.” أضاف: “لدينا منافس يمتلك القدرة والنية لتهديد وطننا في منطقتي المحيط الهندي والهادئ، وبالتالي يجب أن نعطي الأولوية لردع الصين.”
هذا التحول يعكس رؤية ترامب المختلفة عن سلفه جو بايدن. فبايدن، في استراتيجية الأمن القومي الصادرة عن البيت الأبيض في أكتوبر 2022، ميّز بين “التهديد” الروسي و”التحدي” الصيني. وصف روسيا بأنها “بلطجي” يتجاهل القوانين الدولية، بينما اعتبر الصين “المنافس الوحيد الذي لديه النية والقدرة على إعادة تشكيل النظام الدولي”. ترامب، من جهته، يرى أن الحلفاء الأوروبيين “ضعفاء وعبء على الولايات المتحدة”، وأن روسيا يمكن أن تكون “أكثر فائدة” منهم مجتمعين.
لماذا 1972 لن تتكرر
يقف رهان ترامب على افتراض أساسي: أن بوتين يمكن إقناعه بالانقلاب على الصين مقابل تنازلات في أوكرانيا. لكن هذا الافتراض يتجاهل فوارق جوهرية بين وضع 1972 والوضع الراهن.
أولاً، العلاقة بين الاتحاد السوفيتي والصين في الستينيات كانت متوترة بشكل خطير. الخلافات الحدودية بلغت حد اشتباكات مسلحة عام 1969. الأيديولوجيا تباعدت، مع اتهام كل طرف للآخر بالخروج عن “الطريق الصحيح” للشيوعية. نيكسون استغل هذا التوتر، فقدّم للصينيين بديلاً استراتيجياً ضد العدو السوفيتي. اليوم، العلاقة الروسية-الصينية في أحسن حالاتها. بوتين وشي جين بينغ يصفان بعضهما بالصديق، والتعاون يمتد لجميع المجالات.
ثانياً، التاريخ يحفظ للصينيين ذكرى خيانة أمريكية. في فبراير 1945، في مؤتمر يالطا، وافق الرئيس فرانكلين روزفلت سراً على مطالب ستالين في الصين دون إبلاغ حليفته الوطنية تشيانغ كاي شيك. عندما اكتشف الأمر، وصف تشيانغ كاي شيك ما حدث بأن الصين “بُيعت في يالطا”. نيكسون نفسه، بعد 27 عاماً، “باع” السوفييت للصينيين. هل يمكن لبوتين، وهو يعلم هذا التاريخ، أن يثق بأن ترامب لن يقلب عليه غداً؟
ثالثاً، بوتين يعرف ترامب. يعرف أنه “شخص عاطفي ومتقلب المزاج وغير متوقع”، على حد وصف المحللين. قد يضع ترامب يده في يد بوتين اليوم، ويقلب عليه بكره دون سابق إنذار. هذا النوع من عدم اليقين يجعل أي تحالف مع واشنطن محفوفاً بالمخاطر.
رابعاً، وربما الأهم، الأوراق التي يملكها ترامب فقدت قيمتها قبل أن تُلعب. تصريحاته المبكرة بأنه مستعد للتخلي عن أوكرانيا وقبول شروط بوتين، جعلت هذه التنازلات متوقعة وليست مغرية. في المفاوضات، القيمة تكمن في ما يُعرض دون سابق إنذار، لا في ما يُعلن مسبقاً.
الإفلاس الاستراتيجي الأمريكي
خلال شهر واحد من دخوله البيت الأبيض، أخذ ترامب الولايات المتحدة نحو ما يمكن تسميته “الإفلاس الاستراتيجي”. الالتزامات الأمريكية تجاه حلفائها أصبحت مشكوكة وعديمة القيمة. الناتو، الذي شكّل حجر الزاوية في الأمن الأوروبي لسبعة عقود، بات على المحك. بعد أن يفكك ترامب هذا التحالف سعياً وراء روسيا، قد يجد نفسه في النهاية واقفاً بمفرده، بينما روسيا والصين وأوروبا أقرب إلى بعضها منه.
مؤشرات هذا التحول بدأت تظهر في مؤتمر ميونخ للأمن 2025. الأوروبيون، الذين كانوا يعتمدون على الولايات المتحدة لحمايتهم، وجدوا أنفسهم يبكون — حرفياً — بسبب تخلي واشنطن عنهم. في المقابل، ظهر وزير الخارجية الصيني وانغ يي بخطاب متوازن وعاقل، جذب انتباه كثير من الأوروبيين الذين كانوا يتجنبون الصين بسبب التحذيرات الأمريكية.
اقتراب أوروبا من الصين — أو حتى مجرد استقلالها عن الولايات المتحدة — سيكون الخطوة الأولى الحقيقية في إعادة تشكيل النظام العالمي. المفارقة أن صاحب الفضل في هذه الخطوة قد يكون ترامب نفسه، لا منافسه الصيني.
مستقبل التوازن العالمي
تقف الولايات المتحدة اليوم على مفترق طرق. استراتيجية ترامب لاستمالة روسيا قد تبدو مغرية على الورق، لكنها تواجه عوائق بنيوية قد تُفضي إلى فشل ذريع. العلاقة الروسية-الصينية ليست كالعلاقة السوفيتية-الصينية في الستينيات. التاريخ يحذر بوتين من الثقة بواشنطن. وترامب نفسه، بإفراطه في الإفصاح المبكر عن نواياه، أضعف أوراقه التفاوضية.
في المقابل، تبدو الصين واثقة ومتماسكة. استراتيجية “اخفِ قوتك وانتظر الوقت المناسب” التي طرحها دينغ شياو بينغ عام 1990، تبدو اليوم وكأنها تُنفذ ببراعة. بينما ترامب يفكك تحالفات أمريكا التقليدية، تبني الصين شبكات جديدة، وتستقطب أوروبا بخطاب معتدل، وتعمق تعاونها مع روسيا.
السؤال الذي يواجه صناع القرار في واشنطن ليس فقط ما إذا كانت أمريكا تستطيع مواجهة روسيا والصين معاً — فالإجابة على هذا السؤال، بحسب شهادة الأدميرال غيلدي، هي “لا” — بل ما إذا كانت تستطيع تجنب مواجهة تجمعهما معاً. رهان ترامب على تفكيك هذا التحالف قد يكون آخر فرصة أمريكية لإعادة التوازن إلى النظام العالمي. لكن إذا فشل — وهو ما تُشير إليه كل المؤشرات — فإن الولايات المتحدة قد تجد نفسها في عالم متعدد الأقطاب، لا تملك فيه اليد العليا.
المصادر والمراجع
مصادر رسمية حكومية
- U.S. Department of Defense. “National Defense Strategy 2022.” Washington, D.C., 2022.
- The White House. “National Security Strategy 2022.” Washington, D.C., October 2022.
- U.S. Congress, House Armed Services Committee. Testimony of Admiral Michael Gilday, Chief of Naval Operations. May 12, 2022.
دراسات أكاديمية وبحثية
- Mastrom, Elena Skylar. “The Sino-Russian Military Alliance and Its Implications for Global Security.” Georgetown University, 2024.
- Center for Strategic and International Studies (CSIS). “The Future of U.S. Military Strategy: Two Major Theater Warfare Revisited.” Washington, D.C., 2023.
- RAND Corporation. “U.S. Military Capabilities and Forces for a Dangerous World.” Santa Monica, CA, 2023.
مصادر صحفية وتحليلية
- Reuters. “Putin Scolds Russian Officials Over Investment Drop.” Moscow, December 16, 2024.
- The Economist. “The New Cold War: America, China and Russia.” London, 2024.
- Financial Times. “Trump’s Russia Gamble: Can He Break the Sino-Russian Axis?” London, February 2025.
- South China Morning Post. “China-Russia Trade Hits Record $240 Billion in 2024.” Hong Kong, January 2025.
مراجع تاريخية
- Kissinger, Henry. On China. Penguin Press, 2011.
- MacMillan, Margaret. Nixon and Mao: The Week That Changed the World. Random House, 2007.
- Plokhy, Serhii. Yalta: The Price of Peace. Viking, 2010.