اللَّيْلَةُ الَّتي سَبَقَتْ

السَّادِسَةُ مِن سَفَرٍ، عامُ الهِجْرَةِ الأَوَّلِ

جَلَسَتْ نُفَيسَةُ بِنْتُ عُمَرَ في دَارِها، تَنْظُرُ إِلَى فِراشِ ابْنِها الصَّغيرِ. كانَ نائِماً — أَخيراً — بَعْدَ أُسْبوعٍ مِنَ البُكاءِ المُتَواصِلِ.

كانَتْ تَبْلُغُ مِنَ العُمْرِ ثَلاثاً وَعِشْرينَ سَنَةً. تَزَوَّجَتْ في السِّتَّةَ عَشَرَ مِنْ رَجُلٍ تُجّاريٍّ مِنْ قَريشَ، وَلَدَتْ لَهُ ثَلاثَةَ أَوْلادٍ، عاشَتْ حَياةً هادِئَةً — حَتَّى جاءَ “هذا الرَّجُلُ”.

مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ اللهِ.

كانَتْ تَعْرِفُهُ مُنذُ طُفولَتِها. كانَ يَأْتي إِلَى دَكّانِ أَبِيها — أَحَدِ أَغْنى تُجّارِ مَكَّةَ — مَعَ عَمِّهِ أَبي طالِبٍ. كانَ — حِينَها — فَتىً هادِئاً، صادِقاً، يُحِبُّ أَنْ يَسْتَمِعَ.

ثُمَّ تَزَوَّجَ خَديجَةَ — أَغْنى امْرَأَةٍ في مَكَّةَ — وَأَصْبَحَ تاجِراً ناجِحاً. وَكُلُّنا ظَنَنّا أَنَّهُ سَيَعيشُ هَكَذا: غَنِيّاً، مُحْتَرَماً، مِثْلَ أَغْنِياءِ قُرَيشٍ الآخَرينَ.

ثُمَّ جاءَ الوَحْيُ.


الصَّدِيقَةُ المَجهولَةُ

نُفَيسَةُ لَمْ تَكُنْ مِنَ الأَوَّلينَ الَّذينَ آمَنوا. لَكِنَّها لَمْ تَكُنْ مِنَ الأَخِرينَ.

في السَّنَةِ الرّابِعَةِ لِلدَّعوَةِ — حِينَ أَصْبَحَ المُضايَقَةُ عَلَنِيَّةً — كانتْ تَذهَبُ — خَفِيَّةً — إِلَى دَارِ خَديجَةَ. كانتْ تَجِدُ هُناكَ نِساءً مِثْلَها: أَبْصارَ بِنْتِ أَبي بَكْرٍ، رُقَيَّةَ بِنْتِ النَّبِيّ، خَديجَةَ نَفْسِها.

كانَتْ تَجْلِسُ في الزَّاوِيَةِ، تَسْتَمِعُ إِلَى مُحَمَّدٍ يَتَحَدَّثُ. لَمْ تَفْهَمْ كُلَّ ما قالَ — “يَوْمُ القِيامَةِ”، “الجَنَّةُ وَالنّارُ”، “الرَّحْمٰنُ” — لَكِنَّها فَهِمَتْ شَيئاً وَاحِداً: هذَا الرَّجُلُ يُؤْمِنُ بِما يَقولُ.

وَهذا — في مَكَّةَ — كانَ يَكْفي.


الأَزْمَةُ

في السَّنَةِ العاشِرَةِ لِلدَّعوَةِ، ماتَتْ خَديجَةُ.

كانَتْ — لِمُحَمَّدٍ — أَكثَرَ مِنْ زَوْجَةٍ. كانَتْ أَوَّلَ مَنْ آمَنَ بِهِ، أَوَّلَ مَنْ صَدَّقَهُ، أَوَّلَ مَنْ وَقَفَ بِجانِبِهِ حِينَ وَقَفَ الجَميعُ ضِدَّهُ.

وَبَعْدَ شَهْرٍ، ماتَ عَمُّهُ أَبو طالِبٍ — حامِيُهُ الوَحيدُ في قُرَيشٍ.

أَصْبَحَ مُحَمَّدٌ — فَجْأَةً — مَعرِضاً لِلقَتْلِ. لَمْ يَعُدْ هُناكَ مَنْ يَمْنَعُ قُرَيشاً مِنَ الاِنْتِقامِ.

وَفي تِلْكَ السَّنَةِ، جاءَتْ رِسالَةٌ مِنْ يَثْرِبَ — المَدينَةِ — يَدْعونَهُ فيها إِلَى الهِجْرَةِ. قالوا: “نَحنُ آمَنّا بِكَ. تَعالَ إِلَيْنا، وَسَنَكُونُ لَكَ جُنْداً.”

لَكِنَّ الهِجْرَةَ — كَما عَرَفَتْ نُفَيسَةُ — لَيْسَتْ سَهْلَةً.


القَرارُ

في اللَّيْلَةِ الَّتي سَبَقَتِ الهِجْرَةَ، جاءَ زَوْجُ نُفَيسَةَ — عائِدٌ مِنَ السُّوقِ — وَقالَ:

“سَنَهْجُرُ.”

“مَتى؟”

“غَداً.”

جَلَسَتْ نُفَيسَةُ تُفَكِّرُ. كُلُّ حَياتِها — عِشرينَ سَنَةً — في مَكَّةَ. أَبُوها، أُمُّها، بَيْتُها، صَديقاتُها. وَالآنَ، في لَحْظَةٍ، يَجِبُ أَنْ تَتْرُكَ كُلَّ شَيءٍ.

“وَالنَّبِيّ؟” — سَأَلَتْ.

“سَيَهْجُرُ هُوَ الآخَرُ. لَكِنَّهُ سَيَنْتَظِرُ حَتّى نَخرُجَ نَحنُ الأَوَّلينَ.”

هذا — فَهِمَتْ نُفَيسَةُ — كانَ خَطَراً. قُرَيشٌ كانتْ تَرْصُدُ بَيْتَهُ. كُلُّ حِرَكَةٍ مُشْتَبَهٍ فيها كانتْ تُراقَبُ.

“وَإِنْ قَبَضوا عَلَيْنا؟”

“فَنَمُوتُ.”


اللَّيْلَةُ

السَّابِعَةُ مِن سَفَرٍ. اللَّيْلُ.

كانتْ نُفَيسَةُ تَحْمِلُ ما تَسَتَطيعُ: ثِيابٌ قَليلَةٌ، طَعامٌ لِيَوْمَيْنِ، ذَهَبٌ خَفِيٌّ في حاشِيَةِ ثَوْبِها. أَطْفالُها الثَّلاثَةُ — الأَكْبَرُ سِنّاً في السَّادِسَةِ، الأَصْغَرُ في السّانِيَةِ — كانوا نائِمينَ في حِضْنِها.

خَرَجوا مِنْ بابٍ خَلَفِيٍّ، مُتَّجِهينَ إِلَى الجَنوبِ. كانَتْ خُطَّتُهُمْ أَنْ يَتَّجِهوا أَوَّلاً نَحْوَ اليَمَنِ — لِيُخْدِعوا المُرَاقِبينَ — ثُمَّ يَنْحَرِفوا شَرْقاً نَحْوَ يَثْرِبَ.

كانَتِ الشَّوارِعُ فارِغَةً. مَكَّةُ — الَّتي لَمْ تَنَمْ قَطُّ — كانتْ نائِمَةً. كُلُّ ما سَمِعَتْهُ نُفَيسَةُ كانَ خُطاها، وَأَنْفاسَ أَطْفالِها، وَدَقَّ قَلْبِها.

“أُمّي” — قالَ ابْنُها الأَكْبَرُ — “إِلَى أَيْنَ نَذْهَبُ؟”

“إِلَى بَيْتٍ جَديدٍ.”

“وَجَدّي؟”

سَكَتَتْ. أَبُوها — الَّذي لَمْ يُسَلِّمْ — لَمْ يَعْرِفْ بِهِجْرَتِها. لَمْ تَسْتَطِعْ أَنْ تَقولَ لَهُ. خَافَتْ أَنْ يُخْبِرَ قُرَيشاً.

“سَنَراهُ لاحِقاً” — قالَتْ — وَلَمْ تَكُنْ تَعْرِفُ أَنَّها لَنْ تَراهُ أَبَداً.


الفِرارُ

بَعْدَ ثَلاثَةِ أَيّامٍ، عَلِمَتْ قُرَيشٌ بِالهِجْرَةِ.

كانَتْ نُفَيسَةُ — وَعائِلَتُها — قَدْ بَلَغَتْ أَصْدافاً — مَكاناً في طَريقِ اليَمَنِ — حِينَ سَمِعَتْ صَوْتَ الفَرَسِ.

“قِفوا!”

كانَ سُراقَةُ بْنُ مالِكٍ — أَحَدُ فُرْسانِ قُرَيشٍ — قَدْ تَعَقَّبَهُمْ. كانَ قَدْ وَعَدَ بِجَائِزَةٍ كَبيرَةٍ لِمَنْ يَأْتي بِمُحَمَّدٍ — حَيّاً أَوْ مَيْتاً.

تَقَدَّمَ نَحْوَهُمْ، رُمْحُهُ مَرْفوعاً. لَكِنَّ فَرَسَهُ — فَجْأَةً — غَرِزَتْ رِجْلُها في الرَّمْلِ حَتّى بَطْنِها.

حاوَلَ سُراقَةُ إِخْراجَها. لَمْ يَسْتَطِعْ.

“ساحِرٌ!” — صاحَ — “أَنْتُمْ تُسَحِّرونَ الخَيْلَ!”

نَظَرَتْ نُفَيسَةُ إِلَيْهِ — إِلَى هذا الرَّجُلِ الَّذي كادَ أَنْ يَقْتُلَ أَطْفالَها — وَقالَتْ بِهُدُوءٍ:

“لَسْنا نَحْنُ. الرَّحْمٰنُ يَحمينا.”

وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ — كَما تَقولُ الرِّوايَةُ — خَرَجَتِ الفَرَسُ مِنَ الرَّمْلِ، وَوَقَعَ سُراقَةُ عَنْها.

لَمْ يُعِدِ المُحاوَلَةَ.


الوُصولُ

بَعْدَ اثْنَيْ عَشَرَ يَوْماً مِنَ السَّيْرِ، بَلَغوا يَثْرِبَ.

كانَتِ المَدينَةُ — كَما وَصَفَتْها نُفَيسَةُ في رِسالَةٍ لِأُخْتِها — “خُضْراءَ، هادِئَةً، مَلْيئَةً بِالنَّخيلِ. النَّاسُ يَخرُجونَ لِاسْتِقْبالِنا كَأَنَّنا أَبْناءُ مَلِكٍ.”

كانَ أَهْلُ يَثْرِبَ — الأَنْصارُ — قَدْ آمَنوا بِمُحَمَّدٍ قَبْلَ أَنْ يَأْتي. كانوا يَنْتَظِرونَهُ — كَما يَنْتَظِرُ المَرْهَقُ النَّجاةَ.

وَفِي اليَوْمِ الثّالِثَ عَشَرَ، وَصَلَ مُحَمَّدٌ.

كانَتْ نُفَيسَةُ — وَأَطْفالُها — في جَمْعٍ مِنَ المُهاجِرينَ يَنْتَظِرونَهُ. حِينَ رَأَتْهُ — رَاكِباً فَرَسَهُ، وَجْهُهُ تَعِبٌ لَكِنَّ عَيْنَيْهِ تَلْمَعانِ — شَعَرَتْ بِشَيءٍ غَرِيبٍ.

شَعَرَتْ أَنَّها — لِأَوَّلِ مَرَّةٍ — في المَكانِ الصَّحيحِ.


الحَياةُ الجَديدَةُ

لَمْ تَكُنِ الحَياةُ في المَدينَةِ سَهْلَةً.

كانتْ نُفَيسَةُ — مِثْلَ جَميعِ المُهاجِرينَ — فَقيرَةً. تَرَكَتْ ثَرْوَتَها في مَكَّةَ، وَما أَحْضَرَتْهُ لَمْ يَكْفِ إلّا أُسْبوعَيْنِ.

كانَ الأَنْصارُ — بِكَرَمٍ يَصْعُبُ تَصَوُّرُهُ — يُشارِكونَهُمْ كُلَّ شَيءٍ. بُيوتُهُمْ، طَعامُهُمْ، حَتّى مَواشِيهِمْ. كانَتْ نُفَيسَةُ تَسْكُنُ في بَيْتٍ مِنْ طِينٍ صَغيرٍ — أَصْغَرَ مِنْ بَيْتِها في مَكَّةَ بِكَثيرٍ — لَكِنَّها كانتْ سَعيدَةً.

“لَسْنا نَخافُ هُنا” — كَتَبَتْ لِأُخْتِها. “لَيْسَ هُناكَ مَنْ يَرْصُدُنا، مَنْ يُهَدِّدُنا، مَنْ يَسْتَهْزِئُ بِنا. نَصلّي في العَلَنِ. نَقْرَأُ القُرْآنَ بِصَوْتٍ عالٍ.”

“وَالنَّبِيّ — صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ — يَمْشي بَيْنَنا كَأَحَدِنا. يَسْأَلُ عَنّا، يَزُورُ المَرْضى، يَلْعَبُ مَعَ الأَطْفالِ.”

“هذا — أُخْتي — هو الجَنَّةُ في الدُّنْيا.”


مَصادِرُ

مَصادِرُ أَوَّلِيَّةٌ:

  • ابن هِشام، السِّيرَةُ النَّبَوِيَّةُ.
  • الواقِدي، المَغازي.
  • ابن سَعْد، الطَّبَقاتُ الكُبْرى.

دِراساتٌ حَديثَةٌ:

  • Ramadan, Tariq. In the Footsteps of the Prophet. 2007.
  • Brown, Jonathan A.C. Muhammad: A Very Short Introduction. 2011.
  • Rodinson, Maxime. Muhammad. 1961.

دِراساتُ النِّساءِ:

  • Mernissi, Fatima. The Forgotten Queens of Islam. 1993.
  • Abbott, Nabia. Aishah: The Beloved of Muhammad. 1942.