سؤال في مقهى باريسي

تخيل نفسك في باريس، 1945.

تدخل مقهى “القهوة دي فلور” — ذلك المقهى الذي تحول إلى معبد للفكر. تجد طاولة في الزاوية. تطلب قهوة سوداء. وتستمع.

في الطاولة المجاورة، رجل نحيف، عيناه حادتان، يدخن غليوناً باستمرار. يتحدث بحرارة إلى مجموعة من الشباب.

“الإنسان” — يقول — “مُحكوم بالحرية. نحن نولد دون ماهية، دون طبيعة محددة. الوجود يسبق الماهية. نحن نخلق أنفسنا باختياراتنا.”

هذا هو جان بول سارتر. وفلسفته — الوجودية — ستغير وجه الفكر الغربي.

لكن بينما تستمع، تتذكر شيئاً آخر. تتذكر كلمات قيلت قبل سبعة قرون — في أندلس، لا في باريس. كلمات قالها رجل يُدعى محيي الدين بن عربي:

“أنا الحق.”

هل هناك صلة؟ هل يمكن أن تكون الوجودية — هذه الفلسفة “الغربية” — موجودة في التراث العربي؟


ما هي الوجودية؟

قبل المقارنة، دعنا نفهم ما نتحدث عنه.

الوجودية — كما صاغها سارتر وكامو وهيدجر — تقوم على أفكار مركزية:

أولاً: الوجود يسبق الماهية

السكين “ماهيتها” أنها تُقطع. هذا هو “غرضها”، “طبيعتها”. لكن الإنسان مختلف. نحن نولد أولاً (نوجد)، ثم نُحدد من نكون (ماهيتنا) عبر اختياراتنا.

“نحن نُcondemned to be free” — محكومون بالحرية. لا يمكننا الهروب من اختياراتنا.

ثانياً: الغربة والقلق

في عالم بلا إله (حسب سارتر)، نحن وحيدون. مسؤولون عن أنفسنا تماماً. هذا يُسبب “الغربة” — شعور بأننا غرباء في عالم لا معنى له.

ثالثاً: الأصالة والشجاعة

الوجودي “الأصيل” — كما يقول سارتر — هو من يواجه هذه الحقيقة بشجاعة. لا يهرب في “السوء الإيماني” — التظاهر بأن لدينا “طبيعة” محددة أو “قدر” مكتوب.


ابن عربي: المتصوف المُوجودي؟

الآن، دعنا ننتقل إلى الأندلس — القرن الثاني عشر.

محيي الدين بن عربي — “الشيخ الأكبر” — يكتب كتابه “الفتوحات المكية”. فيه، يطرح أفكاراً تبدو — في نظرة أولى — بعيدة عن الوجودية:

“الوحدة الوجود”: كل شيء من الله، والعودة إليه. العالم ليس “خارجاً” عن الله، بل “ظهور” له.

“الإنسان الكامل”: الإنسان الذي يُدرك هذه الوحدة، يصبح “خليفة الله” — مرآة تعكس الحق.

“أنا الحق”: تلك الجملة الشهيرة التي أثارت جدلاً — هل ابن عربي يدّعي الألوهية؟

لكن إذا نظرنا أعمق، نجد تقاطعات:

الحرية عند ابن عربي

يقول ابن عربي: “العبد حرٌّ بمعرفته، وعبدٌ بشريعته.”

الإنسان — في رؤيته — ليس “مجبراً” بالقدر، بل “مُخيّراً”. المعرفة الحقيقية (المعرفة بالله) تُحرره من القيود.

الغربة عند ابن عربي

يقول: “الغربة غربتان: غربة عن الوطن، وغربة عن الحبيب.”

المتصوف — في رحلته — يشعر بالغربة في العالم. ليس لأن العالم “بلا معنى” (كما يقول سارتر)، بل لأن المعنى الحقيقي “آخر”.

الاختيار عند ابن عربي

يقول: “لكل إنسان مقامه الذي يختاره.”

الطريق إلى الله — في رؤية ابن عربي — ليس واحداً. كل إنسان له “طريقه” الخاص، حسب طبيعته واختياراته.


المقارنة: نقاط الالتقاء والاختلاف

الوجودية (سارتر)التصوف (ابن عربي)
الوجود يسبق الماهيةالوجود يكشف الماهية
لا إله → الغربةالله موجود → الغربة منه
الحرية عبءالحرية هبة
الأصالة = الشجاعةالأصالة = المعرفة
المعنى نصنعهالمعنى نكتشفه

نقاط الالتقاء:

  • التركيز على الذات: كلاهما يبدأ من “أنا” — سارتر يقول “أنا أختار”، ابن عربي يقول “أنا الحق” (بمعنى أن “أنا” مرآة للحق).
  • الحرية: كلاهما يؤكد أن الإنسان ليس “مجبراً” — عنده خيار.
  • الغربة: كلاهما يتحدث عن شعور بالاغتراب في العالم.

نقاط الاختلاف:

  • الإله: سارتر ينفي، ابن عربي يؤكد.
  • المعنى: عند سارتر نصنعه، عند ابن عربي نكتشفه.
  • الغاية: عند سارتر لا غاية، عند ابن عربي “العودة إلى الله”.

هل الوجودية العربية ممكنة؟

الآن، السؤال المحوري: هل يمكن أن نبني “وجودية عربية”؟

الاعتراض الأول: “الوجودية كفر”

يقول البعض: الوجودية تنفي الإله، والعربي مؤمن. إذن، الوجودية لا تناسبنا.

الرد: هذا تبسيط. الوجودية — كما صاغها سارتر — نزعت الإله. لكن “الوجودية” كـ”تركيز على الوجود والحرية والاختيار” لا تتطلب الإلحاد.

الاعتراض الثاني: “التصوف مختلف”

يقول آخرون: التصوف يبحث عن “الاتحاد”، والوجودية تؤكد “الانفصال”. إذن، لا صلة بينهما.

الرد: هذا صحيح جزئياً. لكن الطريق إلى “الاتحاد” — في التصوف — يمر بـ”الانفصال”. المتصوف يشعر بالغربة قبل أن يصل.

الاعتراض الثالث: “العربي لا يفكر هكذا”

يقال: الفكر العربي “جماعي”، والوجودية “فردية”. إذن، لا تناسبنا.

الرد: هذا استشراق. الفكر العربي — من ابن رشد إلى ابن خلدون — فيه تقليد فردي قوي. “العربي” ليس كتلة واحدة.


نحو وجودية عربية

ما الذي يمكن أن تكون عليه “وجودية عربية”؟

أولاً: وجودية “مع الإله”

لا تنفي الله، لكنها تؤكد أن الإيمان اختيار — ليس تقليداً.

“أنا أختار أن أؤمن” — هذا اختيار وجودي.

ثانياً: وجودية “مع المعنى”

لا تقول إن العالم “بلا معنى”، لكنها تؤكد أن المعنى يحتاج إلى بحث.

“المعنى موجود، لكن عليّ أن أجد طريقي إليه.”

ثالثاً: وجودية “مع الآخر”

سارتر يقول: “الجحيم هو الآخرون.”

الوجودية العربية يمكن أن تقول: “الخلاص مع الآخرين.”


في المقهى مرة أخرى

تعود إلى مقهى باريس. سارتر لا يزال يتحدث.

لكنك الآن — بعد هذا التأمل — تراه differently.

ترى أنه لم يُخترع “الوجودية” من فراغ. أن أسئلته — عن الحرية، المعنى، الغربة — أسئلة إنسانية.

وترى أن ابن عربي — رغم كل الاختلاف — كان يسأل أسئلة مشابهة.

السؤال الآن — لك أنت — هو: ما طريقك؟

هل أنت “سارتر” — تؤمن بالحرية المطلقة، حتى وإن كانت مرهقة؟

هل أنت “ابن عربي” — تبحث عن الحق في داخلك، ثم فيما وراءك؟

أم أنت شيء آخر — مزيج، تركيبة، طريقك الخاص؟


الخاتمة: الوجودية ليست غربية

الوجودية — في جوهرها — ليست “غربية”.

هي إنسانية.

هي الاعتراف بأننا حرّون. بأننا مسؤولون. بأننا — رغم كل شيء — نختار.

والعربي — مثل أي إنسان — يستطيع أن يفكر هكذا.

ليس بالضرورة كسارتر. لكن كـ”عربي” — يأخذ من تراثه، من تجربته، من أسئلته.

“الوجودية العربية” — إذا وجدت — لن تكون نسخة طبق الأصل عن الغربية.

ستكون شيئاً آخر. شيء جديد. شيء نحن نصنعه — باختياراتنا.

وهذا، ربما، هو الجوهر الوجودي: أننا نصنع أنفسنا.