المقدمة: الخطوط على الرمال
في مايو 1916، في قاعةٍ صغيرةٍ في مكتب الخارجية البريطانية في لندن، وقف دبلوماسيان — أحدهما إنجليزي والآخر فرنسي — أمام خريطةٍ كبيرةٍ للشرق الأوسط. بقلمٍ أحمر، رسما خطوطاً مستقيمةً عبر صحراء العرب، وجبالها، وأنهارها. لم يكونا يعرفان تضاريس المنطقة — لم يزوراها. لم يكونا يعرفان قبائلها، أو لغاتها، أو تاريخها. لكنهما كانا يقرران مصيرها.
هذان الرجلان كانا مارك سايكس (بريطاني) وفرانسوا جورج بيكو (فرنسي). الاتفاقية التي وقعاها — سايكس-بيكو — أصبحت رمزاً للتدخل الاستعماري، وتجزئة الأمة العربية، وولادة صراعاتٍ تستمر حتى اليوم.
هذه ليست قصةً تاريخيةً بعيدة. نحن نعيش في عالمٍ رسمه سايكس وبيكو. حدود العراق وسوريا التي تتنازع. لبنان الذي يتفكك. فلسطين المحتلة. الأكراد المُقسّمون. الصراع السني-الشيعي. داعش والفوضى. كلها — بشكلٍ أو بآخر — نتاج تلك الخطوط التي رُسمت قبل أكثر من قرن.
سياق الحرب والخيانة
الحرب العالمية الأولى والإمبراطورية العثمانية
في 1914، اندلعت الحرب العالمية الأولى. الإمبراطورية العثمانية — “الرجل المريض” — انضمت لألمانيا ضد بريطانيا وفرنسا. للحلفاء، كانت هذه فرصةً تاريخيةً: تقسيم الإمبراطورية العثمانية والسيطرة على مواردها.
لكن السيطرة كانت تحتاج إلى “مبرر”. بريطانيا وفرنسا لم تكونا تريدان الظهور كمُستعمرين صرفين. أرادتا “حماية الأقليات”، “نشر الحضارة”، “تحرير الشعوب”.
الثورة العربية والوعد المكذوب
في الوقت نفسه، بريطانيا كانت تُفاوض الشريف حسين بن علي — أمير مكة — لإثارة “الثورة العربية” ضد العثمانيين. الوعد: الاستقلال العربي، “من حلب إلى اليمن”، إذا انتصر الحلفاء.
الشريف حسين أطلق الثورة. ابنه فيصل قاد الجيوش العربية مع لورنس العرب. آلاف العرب ماتوا في معاركٍ خاضوها للحلفاء.
لكن بريطانيا كانت تُخفي سراً: سايكس-بيكو.
الوعود المتضاربة
سايكس-بيكو (مايو 1916) وعد بلفور (نوفمبر 1917) ووعد الحسين (1915-1916) — ثلاث وعود متضاربة:
- للفرنسيين: سوريا ولبنان
- لليهود: وطنٌ قوميٌ في فلسطين
- للعرب: استقلالٌ واسع
لا يمكن تحقيق الثلاثة. لكن بريطانيا وعدت بالثلاثة. والنتيجة: خيانة للجميع.
بنود الاتفاقية
التقسيم السري
سايكس-بيكو قسّمت الشرق الأوسط إلى مناطق:
المنطقة الزرقاء (فرنسا): سوريا ولبنان وموصل. السيطرة المباشرة أو الانتداب.
المنطقة الحمراء (بريطانيا): العراق وفلسطين والأردن والخليج. السيطرة المباشرة أو الانتداب.
المنطقة (أ): سوريا الداخلية — “استقلال” عربي تحت “حماية” فرنسية.
المنطقة (ب): العراق — “استقلال” عربي تحت “حماية” بريطانية.
فلسطين: منطقة دولية مشتركة — “إدارة دولية”.
الخطوط المستقيمة
الحدود رُسمت بقلمٍ على الخريطة — خطوطٌ مستقيمةٌ تتجاهل التضاريس، القبائل، التاريخ. كردستان قُسّمت بين أربع دول. الشيعة في العراق أُلحقوا بسُنة. الدروز والعلويون أُديروا كأقليات.
لم يكن هدف “العدالة” أو “الاستقرار”. الهدف كان: السيطرة، النفط، الاستراتيجية.
التنفيذ والخيانة
سايكس-بيكو تُكشف
في ديسمبر 1917، بعد ثورة البلاشفة في روسيا، نُشرت وثائق سرية — منها سايكس-بيكو. العرب اكتشفوا الخيانة. الشريف حسين صُدم. فيصل شعر بالإحباط.
لكن الحرب كانت قد انتهت تقريباً. بريطانيا وفرنسا استمرتا في التنفيذ.
مؤتمر سان ريمو 1920
في أبريل 1920، في سان ريمو بإيطاليا، قررت بريطانيا وفرنسا رسمياً: الانتداب على سوريا ولبنان (فرنسا)، الانتداب على العراق وفلسطين والأردن (بريطانيا).
فيصل، الذي أعلن ملكاً على سوريا، طُرد بالقوة الفرنسية في معركة ميسلون (يوليو 1920). العراق أُلحقت به بالقوة البريطانية.
تأسيس الكيانات
لبنان (1920): فرنسا تُوسع لبنان ليشمل مسيحيين أكثر — كيانٌ طائفيٌ منذ الولادة.
سوريا (1920): فرنسا تُقسّمها إلى دولٍ صغيرة: دمشق، حلب، العلويين، الدروز — “فرّق تسد”.
العراق (1921): بريطانيا تُنشئ “المملكة العراقية” — كيانٌ صناعيٌ يجمع العرب والأكراد والشيعة والسُنة.
فلسطين (1920): الانتداب البريطاني، مع “وعد بلفور” — وطنٌ قوميٌ لليهود في فلسطين العربية.
الأردن (1921): شرق الأردن كـ”إمارة” للشريف عبدالله — عزاءٌ للهاشميين.
النتائج والصراعات
الكيانات الصناعية
الدول التي وُلدت من سايكس-بيكو كانت “صناعية” — حدودها لا تعكس واقعاً اجتماعياً أو تاريخياً. العراق: شيعة وسُنة وأكراد وتركمان. سوريا: سُنة وعلويين ودروز ومسيحيين وكرد. لبنان: طوائف متوازنة هشة.
هذه الهشاشة جعلت هذه الدول عرضةً للصراعات. الطائفية لم تكن “طبيعية” — هي نتاجٌ للحدود.
النفط والاستراتيجية
النفط — الذي اكتُشف في العراق وإيران والخليج — جعل المنطقة استراتيجيةً بشكلٍ متزايد. بريطانيا وفرنسا، ثم أمريكا، تدخلت مراراً لحماية مصالحها.
الصراعات المستمرة
فلسطين: وعد بلفور + سايكس-بيكو = النكبة 1948، الاحتلال المستمر.
الأكراد: شعبٌ بلا دولة، قُسّم بين أربع دول، يتمرد ويُقمع.
لبنان: الحرب الأهلية 1975-1990، التفكك الحالي.
العراق: حروب، عقوبات، احتلال 2003، داعش.
سوريا: الحرب الأهلية منذ 2011، تدميرٌ شامل.
داعش والفوضى
داعش — في 2014 — أعلن “الخلافة” ورفض حدود سايكس-بيكو. خطابهم: “هدم الحدود المُستعمرة”. لكنهم أعادوا إنتاج العنف والطائفية.
الإرث المعاصر
الربيع العربي والانهيار
2011: الربيع العربي. مظاهراتٌ ضد الأنظمة الاستبدادية. لكن الهشاشة التي ولدتها سايكس-بيكو جعلت الانتقال صعباً. سوريا والعراق ولبنان — كلها تفككت أو تفكك.
الصراع السني-الشيعي
الطائفية — التي أذكاها الاستعمار واستغلتها الأنظمة — أصبحت خطاً فاصلاً. إيران والسعودية يتصارعان بالوكالة في سوريا والعراق واليمن ولبنان.
إعادة رسم الخريطة؟
هل يمكن إلغاء سايكس-بيكو؟ هل يمكن إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط؟
الواقع: الحدود بقيت رغم كل شيء. حتى داعش فشل في هدمها. لكن الدول أصبحت أضعف، والطوائف أقوى، والصراعات أعمق.
الدروس والمستقبل
دروس سايكس-بيكو
الحدود مهمة: رسم حدودٍ بلا معرفةٍ بالواقع يُولد كوارث.
الوعود تُحاسَب: خيانة الوعود — للعرب، لليهود، للفرنسيين — أذكت الكراهية.
الاستعمار يُخلف آثاراً: قرنٌ بعد سايكس-بيكو، نحن نعيش آثاره.
المستقبل
الشرق الأوسط اليوم: دولٌ فاشلة أو هشة، صراعاتٌ طائفية، تدخلاتٌ خارجية، يأسٌ شعبي.
لكن هناك أيضاً: شبابٌ يُريد التغيير، نساءٌ يقاومن، فنانون، ناشطون، رواة قصص.
سايكس-بيكو رسمت خريطةً. لكن الخرائط يمكن تغييرها — ليس بالعنف، بل بالعدالة، والمواطنة، والاعتراف بالتنوع.
مصادر
- Fromkin, D. (1989). “A Peace to End All Peace: The Fall of the Ottoman Empire and the Creation of the Modern Middle East.” Holt.
- التاريخ الأكثر شمولاً لسايكس-بيكو والشرق الأوسط
- Barr, J. (2011). “A Line in the Sand: Britain, France and the Struggle That Shaped the Middle East.” Simon & Schuster.
- التنافس البريطاني-الفرنسي
- McMeekin, S. (2015). “The Ottoman Endgame: War, Revolution, and the Making of the Modern Middle East, 1908-1923.” Penguin.
- سياق نهاية العثمانيين
- Kedouri, E. (2014). “In the Anglo-Arab Labyrinth: The McMahon-Husayn Correspondence and Its Interpretations.” Cambridge University Press.
- المراسلات والوعود
- Allawi, A. A. (2014). “Faisal I of Iraq.” Yale University Press.
- قصة فيصل والثورة العربية
المصادر الإضافية
- Antonius, G. “The Arab Awakening.” Hamish Hamilton, 1938.
- Tauber, E. “The Arab Movements in World War I.” Frank Cass, 1993.
- Rogan, E. “The Fall of the Ottomans.” Basic Books, 2015.