قبل بضع سنوات، تلقى عالم الوراثة السريرية، مايكل جابيت، اتصالاً محيراً من طبيب توليد في أستراليا. كانت الحالة تتحدى المنطق الطبي: امرأة حامل بتوأم يتشاركان مشيمة واحدة؛ وهو ما يعني علمياً وحتمياً أنهما “توأم متطابق” نتجا عن انقسام بويضة مخصبة واحدة. لكن المفارقة المذهلة التي أظهرتها شاشة الموجات فوق الصوتية (السونار) بوضوح تام، هي أن أحد الجنينين ذكر، والأخرى أنثى!
كيف يمكن لتوأم أن يكون متطابقاً جينياً ومختلفاً في الجنس بالوقت ذاته؟ كان رد فعل “جابيت” الأولي هو التشكيك في دقة جهاز السونار، وهو ما لم يتقبله الأطباء بصدر رحب.
اكتشاف علمي نادر: التوائم “الواحد ونصف”
دفع هذا اللغز “جابيت” للبحث والتقصي، حتى وجد تفسيراً في الأبحاث السابقة يُعرف باسم “التوائم نصف المتطابقة” (Sesquizygotic Twins)، وتعني حرفياً “توائم الواحد ونصف”. هؤلاء ليسوا توائم متطابقة تماماً، ولا توائم غير متطابقة (أخوية)، بل يقعون في منطقة جينية وسطى مذهلة.
رغم أن علماء الأحياء افترضوا وجود هذه الحالة نظرياً منذ عام 1984، إلا أن أول حالة موثقة طبياً لم تظهر إلا في عام 2007. وتُعد هذه الحالة الأسترالية هي الثانية فقط المعروفة في تاريخ الطب.
كيف تحدث هذه المعجزة البيولوجية؟
تنتج هذه التوائم عن سلسلة من ثلاثة أحداث نادرة جداً تقع داخل الرحم:
- الإخصاب المزدوج: تبدأ القصة بتخصيب بويضة واحدة بواسطة حيوانين منويين في نفس الوقت (أحدهما يحمل كروموسوم X والآخر Y). عادةً، ينتج عن هذا جنين بثلاث مجموعات من الكروموسومات، وهي حالة لا يمكن للجنين فيها البقاء على قيد الحياة.
- الفرز الجيني الذكي: هنا تحدث المعجزة الثانية؛ إذ تمكنت مجموعات الكروموسومات الثلاث من فرز نفسها إلى ثلاثة أنواع من الخلايا. نوعان منهما كانا طبيعيين (يحتويان على كروموسوم من الأم وآخر من الأب)، بينما النوع الثالث احتوى على كروموسومات من الأب فقط، وهو نوع لا يمكنه النمو، فتلاشى. استمر النوعان الطبيعيان في الانقسام والتكاثر ككتلة خلوية واحدة.
- الانقسام الأخير: انقسمت هذه الكتلة الخلوية في النهاية لتشكل جنينين منفصلين؛ أحدهما تطور ليصبح فتاة طبيعية المظهر، والآخر تطور ليصبح صبياً طبيعي المظهر.
“الكيميرا”: أجساد تحمل هويتين جينيتين
رغم مظهرهما الخارجي العادي، إلا أن التكوين الجيني للتوأم كان استثنائياً؛ فهما يُعتبران من الـ “كيميرا” (Chimeras)، أي أن جسد كل منهما يحمل خليطاً من الخلايا الذكورية (XY) والأنثوية (XX).
- الفتى يحمل هذا الخليط بنسبة 47:53 (XX:XY).
- الفتاة تحمل الخليط بنسبة 90:10 (XX:XY).
ندرة مطلقة وحياة مستمرة
لمعرفة ما إذا كانت هناك حالات أخرى مشابهة تم تشخيصها خطأً كتوائم عادية، قام فريق “جابيت” بتحليل الحمض النووي لـ 968 زوجاً من التوائم وعائلاتهم، لكنهم لم يجدوا أي حالة أخرى. إنها ظاهرة شديدة الندرة نظراً لتطلبها حدوث تلك السلسلة المعقدة من الاستثناءات.
اليوم، يبلغ التوأم الأسترالي 4 سنوات من العمر. ورغم تعرض الفتاة لبعض المضاعفات الصحية (بتر ذراع إثر جلطة دموية غير مرتبطة بحالتها الجينية، وجراحة في المبيض بسبب حالتها الكيميرية)، إلا أنهما يعيشان حياة صحية.
الخلاصة: كما يقول عالم الأحياء مايكل جولوبوفسكي، فإن عملية الإخصاب هي “حوار جزيئي استثنائي”. قد تفشل ملايين المحاولات بسبب خلل بسيط، ولكن في بعض الأحيان، ورغم كسر القاعدة الذهبية (بويضة واحدة + حيوان منوي واحد = طفل واحد)، تُثبت الطبيعة أن الحياة تجد طريقها دائماً.