Skip to content
February 21, 2026

لماذا تؤثر فينا الموسيقى؟ ولماذا لا تؤثر في بعض الناس؟

·1 min read·3 views

هناك أشخاص يعيشون حياتهم كاملة دون أن يشعروا بأي متعة عند سماع الموسيقى. هذه الحالة تُعرف باسم انعدام التلذذ الموسيقي (Musical Anhedonia). المصابون بها يستطيعون تمييز الألحان والنغمات بشكل طبيعي، وليسوا فاقدي الحس الموسيقي، كما أنهم يستمتعون بأنشطة أخرى كالأكل أو الألعاب أو العلاقات الاجتماعية. لكن الأغاني، مهما كانت مؤثرة للآخرين، لا تحرك فيهم شيئًا.

أحد هؤلاء الأشخاص، ويدعى فايس، قال إنه لو اختفت الموسيقى من العالم فلن يشعر بخسارة حقيقية. وعندما خضع لفحوصات بالرنين المغناطيسي، اكتشف الباحثون أن لديه ضعفًا ملحوظًا في الاتصال العصبي بين المناطق المسؤولة عن معالجة الأصوات والمناطق المرتبطة بنظام المكافأة في الدماغ. هذه الألياف العصبية البيضاء هي التي تنقل الإشارات بين أجزاء الدماغ المختلفة، ويبدو أنها تلعب دورًا أساسيًا في تحويل الصوت إلى إحساس بالمتعة.

في المقابل، الأشخاص الذين يشعرون بالقشعريرة عند سماع مقطوعات موسيقية أظهروا اتصالًا عصبيًا أقوى من المتوسط بين هذه الدوائر السمعية ومناطق المكافأة. هذا التباين دفع العلماء للتساؤل: إذا فهمنا لماذا لا يتأثر بعض الناس بالموسيقى، فهل يمكننا تفسير سر تأثيرها العاطفي على الآخرين؟


من الشغف الشخصي إلى البحث العلمي

روبرت زاتوري، عالم الأعصاب الإدراكي في جامعة ماكغيل، كان مفتونًا بالموسيقى منذ مراهقته. عندما استمع إلى مقطوعة لباخ لأول مرة، شعر بعمق عاطفي وقشعريرة لا تُنسى. هذه التجربة الشخصية ألهمته لدراسة الموسيقى من منظور علم الأعصاب بدلًا من الاكتفاء بتحليلها نظريًا.

خلال إجازة بحثية في إسبانيا عام 2011، تعاون زاتوري مع جوسيب ماركو-بالاريس، المتخصص في دراسة أنظمة المكافأة في الدماغ. مع فريق من الباحثين، طوروا “استبيان برشلونة لمكافأة الموسيقى”، وهو أداة تقيس مدى استجابة الأفراد للموسيقى من حيث المتعة والانخراط العاطفي.

عند تطبيق الاستبيان على أكثر من ألف مشارك عبر الإنترنت، ظهرت نتيجة لافتة: ما بين 2 إلى 3 بالمئة من الناس سجلوا درجات منخفضة جدًا. هؤلاء لا يبحثون عن الموسيقى، ولا يشاركونها مع الآخرين، ولا يهتمون بحضور الحفلات الموسيقية إلا لأسباب اجتماعية. ورغم ذلك، كانوا أصحاء نفسيًا وجسديًا، وتظهر عليهم استجابات طبيعية تجاه مكافآت أخرى مثل الطعام أو الربح المالي. عند فوزهم بالمال، ارتفعت معدلات ضربات قلوبهم وتعرقوا كالمعتاد. لكن عند سماع موسيقى مؤثرة بالنسبة للآخرين، بقيت مؤشراتهم الفسيولوجية شبه ثابتة.

أطلق الباحثون على هذه الظاهرة اسم “انعدام التلذذ الموسيقي المحدد”، لأنها تقتصر على الموسيقى فقط دون بقية مصادر المتعة.


ماذا يحدث في الدماغ؟

في مختبر زاتوري في مونتريال، أُجريت دراسات تصوير دماغي على أشخاص يحبون الموسيقى بشدة. أظهرت النتائج أن منطقة تُسمى “المخطط” (Striatum)، وهي جزء أساسي من نظام المكافأة المسؤول عن إفراز الدوبامين أثناء الأنشطة الممتعة، تنشط بقوة عند الاستماع إلى الموسيقى. والأهم من ذلك، أنها تعمل بتنسيق وثيق مع الدوائر السمعية المسؤولة عن تحليل الأصوات.

من هنا نشأت فرضية أساسية: لكي نشعر بالتأثر العاطفي بالموسيقى، يجب أن يكون هناك تفاعل فعّال بين النظام السمعي ونظام المكافأة في الدماغ.

دراسة تصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي عام 2016 دعمت هذه الفكرة. فقد أظهرت أن الأشخاص المصابين بانعدام التلذذ الموسيقي لديهم نشاط أقل من المتوسط في مناطق المكافأة عند الاستماع للموسيقى، بينما كانت استجابتهم طبيعية عند أداء مهام مرتبطة بالمقامرة أو المكافآت المالية. كما تبين أن الروابط العصبية بين الدوائر السمعية والمخطط لديهم أقل عددًا وكفاءة مقارنة بمحبي الموسيقى.

في المقابل، الأشخاص الذين يعيشون تجارب موسيقية عاطفية قوية يمتلكون شبكة اتصال عصبي أكثر كثافة بين هذه المناطق، مما يعزز الإحساس بالمتعة.


ما الذي تخبرنا به هذه الاكتشافات؟

تشير هذه الأبحاث إلى أن الموسيقى ليست “سحرًا” غامضًا، بل نتيجة تفاعل بيولوجي معقد بين أنظمة السمع والمكافأة في الدماغ. عندما تكون هذه الشبكة قوية، يتحول الصوت إلى تجربة عاطفية عميقة. وعندما تكون ضعيفة، تبقى الموسيقى مجرد أصوات بلا أثر وجداني.

فهم هذه الآلية لا يوضح فقط لماذا يعشق معظم الناس الموسيقى، بل يكشف أيضًا كيف يخلق الدماغ المتعة عمومًا—وكيف يمكن أن تختلف هذه التجربة من شخص لآخر.

في النهاية، يبدو أن حب الموسيقى ليس مجرد ذوق شخصي، بل انعكاس لكيفية ترابط دوائرنا العصبية الداخلية.

React:

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *