لطالما كانت العصور القديمة الكلاسيكية —بفلاسفتها، وتماثيلها، وأساطيرها— ساحة معركة أيديولوجية. فبينما يرى الإنسانيون في حضارتي اليونان وروما مهداً للتفكير العقلاني والجمال البشري، لطالما وجد الفاشيون والديكتاتوريات المتعاقبة في ذات الحضارتين مبرراً للتسلط، والهيمنة العرقية، والقوة العسكرية المطلقة.

هذا المقال يغوص في التناقضات العميقة للتراث الكلاسيكي، وكيف يتم توظيفه حتى اليوم لخدمة أجندات متطرفة، وكيف تقف الحقيقة التاريخية عائقاً أمام هذا التزييف.

1. هوس الديكتاتوريين بـ “السراب الكلاسيكي”

لم يكن انجذاب الفاشيين للتراث الكلاسيكي وليد الصدفة؛ فقد استهوتهم صرامة الطاعة، والتراتبية الهرمية، والمجد الإمبراطوري.

  • موسوليني ووهم الإمبراطورية: في عام 1922، أعلن موسوليني أن “روح روما الخالدة قد بُعثت من جديد في الفاشية”. ورغم أن الإيطاليين يمكنهم ادعاء الانحدار من الرومان، إلا أن هوس هتلر كان أكثر غرابة وتناقضاً.
  • هتلر وعقدة النقص الجرمانية: كان “الفوهرر” يشعر بالعار من حقيقة أن القبائل الجرمانية أسقطت الإمبراطورية الرومانية، وكان يسرّ للمقربين منه: “إنه لأمر سيء أن الرومان كانوا يشيدون مباني عظيمة بينما كان أجدادنا يعيشون في أكواخ من الطين”. لتعويض ذلك، اخترع المنظرون النازيون تاريخاً زائفاً يعتبر اليونانيين “شعوباً جرمانية” وروما “إمبراطورية آرية”، متجاهلين تماماً التنوع العرقي والثقافي الذي ميز روما القديمة.
  • أسطورة الرخام الأبيض: عشق النازيون التماثيل الرومانية البيضاء الناصعة، مثل تمثال “أغسطس بريما بورتا” الذي يرفع يده في تحية ملكية تشبه التحية الفاشية. لكن المفارقة التاريخية هي أن هذه التماثيل كانت في الأصل مدهونة بألوان زاهية، وكانت بشرة يوليوس قيصر على الأرجح داكنة بدرجة لا تروق للمنظرين النازيين.

2. النازيون الجدد و”استنساخ” الماضي

لم يمت هذا الهوس بسقوط روما أو برلين؛ بل ورثه اليمين المتطرف الحديث (Alt-right). يوضح كتاب “القاعدة البيضاء” للكاتب كيرتيس دوزير كيف يستخدم القوميون البيض اليوم تماثيل اليونان كصور لحساباتهم الوهمية، وكيف يتخذون من أسماء مثل “المتقشف القائم” (Based Spartan) أو “منحرف العصر البرونزي” (Bronze Age Pervert) ألقاباً لهم.

هؤلاء يروجون لنسخة مشوهة من التاريخ تعتمد على العدمية وتقديس القوة العمياء، متجاهلين السياق التاريخي ومعتمدين على قراءة سطحية تمجد القتال والذكورية السامة، في استنساخ بائس لأفلام مثل (300) التي تمجد العنف دون فهم لروح العصر الكلاسيكي.

3. كلاسيكيات ذات وجهين: هل كان الأقدمون فاشيين؟

يجب أن نعترف بصدق: الفاشيون لا يقرؤون من فراغ. لقد تضمنت النصوص القديمة أفكاراً تخدم الاستبداد؛ فالديمقراطية الأثينية كانت هشة ومبنية على أكتاف العبيد، وأفلاطون —الذي احتفظ موسوليني بنسخة من كتابه “الجمهورية” على مكتبه— كان معارضاً شرساً للديمقراطية، معتبراً أن “الحرية تسبب الفوضى”.

ولكن، وكما قال الفيلسوف هرقليطس: “كل شيء يتغير ولا شيء يظل ثابتاً”. التراث الكلاسيكي يحمل أيضاً بذور التحرر:

  • سبارتاكوس: المصارع العبد الذي قاد ثورة ضد استبداد الإمبراطورية الرومانية.
  • ديوجانس الكلبي: الفيلسوف الذي امتلك الشجاعة ليقول للإسكندر الأكبر: “ابتعد عن ضوء شمسي”.
  • كليسثنيس: قائد الثورة الأثينية الذي طرد الأوليغارشية.

4. لودفيغ بولاك: انتصار الإنسانية على الجمود الفاشي

تتجسد ذروة هذا الصراع في قصة العالم وعلامة الآثار “لودفيغ بولاك”؛ النمساوي المجري، التشيكي، واليهودي. في عام 1906، أثبت بولاك خبرته حين تعرّف على نسخة رخامية من تمثال “رامي القرص” (Discobolus) رغم فقدانها للرأس والذراع. هذا التمثال الذي وصفه هتلر لاحقاً بأنه مزيج من “الجمال الجسدي والعقل المتألق”، في تناقض صارخ مع مصير بولاك نفسه، الذي أُرسل مع عائلته عام 1943 إلى معسكر أوشفيتز النازي حيث قُتلوا جميعاً.

لكن اكتشاف بولاك الأهم في نفس العام (1906) كان بمثابة صفعة تاريخية للفاشية. فقد اكتشف الذراع المفقودة للتمثال الشهير “لاوكون وأبناؤه” (Laocoön and His Sons). لقرون طويلة، افترض المرممون أن الذراع الأصلية للتمثال كانت ممدودة للأعلى في زاوية صلبة ومستقيمة (أشبه بالتحية الفاشية لاحقاً). لكن الذراع الحقيقية التي اكتشفها بولاك كانت منثنية إلى الخلف خلف رأس الكاهن المطعون.

لم تكن وضعية صلبة، عسكرية، أو استعراضية؛ بل كانت وضعية مرنة، ضعيفة، والأهم من ذلك: وضعية إنسانية تتلوى من الألم. الخلاصة: لقد أثبت وجود علماء مثل بولاك، وشعراء مثل أنجيلوس سيكيليانوس، أن إرث العصور الكلاسيكية لا يخص من يستغلونه لتبرير الكراهية والظلم، بل ينتمي حصراً لأولئك الذين يحبون الإنسانية بكل ضعفها، وتعقيدها، وجمالها الحقيقي.