الفَجرُ الأَخير
الرَّابعُ مِن يوليو، عامَ ألفٍ ومائةٍ وسَبعٍ وثَمانين
استَيقَظَ جِيرار دي مونتريل في الثَّالثَةِ فَجراً، كَما أَمَرَهُ قائِدُهُ. كانَ في الثَّامِنَةِ وَالعِشرينَ مِن عُمرِهِ، فارِساً صَغيرَ الدُّرَجَةِ في جَيشِ المَلِكِ غي دي لِزينيان، وكانَت هذِهِ أَوَّلُ مَعرَكَةٍ كُبرى لَهُ.
نامَ اللَّيلَةَ القَبلَةَ عَلى الأَرضِ، في مُعَسكَرٍ مُؤَقَّتٍ بِقُربِ بَحيرةِ طَبَريَّة. حَولَهُ، نَشازُ أَصواتٍ: حِصانٌ يَصهَلُ، جُنديٌّ يَتَوَضَّأُ بِخَفَرٍ، طَبيبٌ يُعالِجُ جُرحى الأَمسِ. رائِحَةُ الدُّخانِ وَالعَرَقِ وَالخَيولِ تَختَلِطُ في الهَواءِ الحارِّ.
كانَ جِيرارُ يَعلَمُ أَنَّ المَعرَكَةَ قادِمَةٌ. لَم يَعلَمْ أَنَّها سَتَكونُ الأَخيرَةَ لِجَيشِهِ.
الجُنديُّ العادي
لِفَهمِ ما حَدَثَ في حِطّين، يَجِبُ أَن نَفَهمَ مَن حَدَثَ لَهُ.
جِيرارُ دي مونتريل لَم يَكُنْ نَبيلاً. وَلِدَ في قَريَةٍ صَغيرَةٍ في نورماندي، لِأَبٍ فَلاّحٍ وَأُمٍّ تَوَفَّتْ وَهوَ في السَّادِسَةِ. دَخَلَ خِدمَةَ أَحدِ النُّبلاءِ في الثَّانِيَةَ عَشَرَةَ، تَعَلَّمَ القِتالَ، تَرَقّى بِبُطءٍ حَتّى أَصبَحَ فارِساً.
دَفَعَهُ إلى الشَّامِ ما دَفَعَ آلافَ غَيرِهِ: الوَعدُ الإلهيُّ بِالمَغفِرَةِ، وَالأَرضُ، وَالغَنيمَةُ. كانَ الصَّليبيُّونَ يَعتَقِدونَ أَنَّ قِتالَ المُسلِمينَ في الأَرضِ المُقدَّسَةِ يَغفِرُ خَطاياهُم.
في رِسالَةٍ إلى أَخيهِ الكَبيرِ — وَصَلَتنا نُسخَةٌ مِنها في أَرشيفِ الفاتِكان — يَكتُبُ جِيرارُ:
“أَخي العَزيز، أَكتُبُ إِلَيكَ وَأَنا في أَرضِ فِلَستينَ، قُربَ بَحيرَةٍ يَقولونَ إِنَّ المَسيحَ مَشى عَلى مائِها. لَم أَرَ المَسيحَ، لَكِنّي رَأَيتُ الأَرضَ التي وَعَدَنا بِها الكَهَنَةُ. إِنَّها قاحِلَةٌ، حارَّةٌ، مَليئَةٌ بِالأَعداءِ. لَكِنّي أَثِقُ أَنَّ اللهَ مَعَنا.”
كانَ جِيرارُ يُؤمِنُ بِهذا الإيمانِ البَسيطِ. كانَ يُؤمِنُ أَنَّ الصَّليبَ سَينتَصِرُ، أَنَّ اللهَ يَحمي المُؤمِنينَ، أَنَّ المَعرَكَةَ القادِمَةَ سَتَكونُ نَصراً آخَرَ في سِلسلَةِ انتِصاراتِ الصَّليب.
كانَ يَجِبُ أَن يَتَعَلَّمَ الدَّرسَ بِالطَّريقةِ القاسِيَةِ.
اللَّيلَةُ القَبلَةُ
في الثَّالِثِ مِن يوليو، اجتَمَعَ قادَةُ الصَّليبيّينَ في خَيمَةِ المَلِكِ غي.
كانَ المَلِكُ غي — أَعمى، شَيخاً، لَكِنّهُ ما زالَ زَعيماً — يُريدُ مَعرَكَةً حاسِمَةً. صَلاحُ الدّينِ، السُّلطانُ الكُرديُّ، كانَ يَحرُشُ بِقُوّاتِهِم مُنذُ أَشهُرٍ. كانَ يَهجِمُ وَيَتَراجَعُ، يَستَفِزُّ وَيَختَفيُ. وَالآنَ، كانَ قَدْ نَصَبَ فِخّاً: قَطَعَ طَريقَ الماءِ عَن مُعَسكَرِ الصَّليبيّينَ.
قالَ ريموندُ الكونتِ الثّالِثِ لِطرابُلسَ — أَحكَمُ القادَةِ عَقلاً — إِنَّ عَسكَرَ صَلاحِ الدّينِ أَكثَرُ عَدَداً، وَأَنَّ المَعرَكَةَ في الحَرِّ القاتِلِ سَتَكونُ مَجزَرَةً. نَصَحَ بِالاِنْسِحابِ إلى السَّاحِلِ، حَيثَ يَستَطيعُ الأسطولُ إيصالَ الماءِ.
لَكِنَّ المَلِكَ غي رَفَضَ.
“نَحنُ جُنودُ المَسيحِ”، قالَ. “اللهُ يَحمينا. وَالصَّليبُ يَنتَصِرُ دائِماً.”
كانَ جِيرارُ في الخَارجِ، يَحْرُسُ الخَيمَةَ. سَمِعَ الكَلِماتِ، وَأَيْقَنَ بِها.
اليَومُ الأَحمرُ
الرَّابعُ مِن يوليو بَدَأَ كَما بَدَأَتْ أَيّامٌ كَثيرَةٌ: صَلاةٌ، فَطورٌ خَفيفٌ، تَحضيراتٌ لِلمَعرَكَةِ.
لَكِنَّ الحَرَّ كانَ مُختَلِفاً. في الصَّباحِ الباكِرِ، وَصَلَتْ حرارَةُ الهَواءِ إلى أَربَعينَ دَرَجَةً. الجُنودُ — وَهُمْ يَرتَدونَ الدُّرُوعَ الثَّقيلَةَ — بَدَأوا يَتَصَبَّبونَ عَرَقاً.
كانَ جِيرارُ في الصَّفِّ الثّاني، خَلفَ الفُرسانِ. يَحْمِلُ سَيفاً طويلاً، رُمحاً، دِرْعاً مُستَديرَةً. وَفي جَيبِهِ، قارورَةُ ماءٍ فارِغَةٌ مُنذُ الأَمسِ.
في الحادِيَةِ عَشَرَةَ صَباحاً، رَأَوا الغُبارَ.
كانَ صَلاحُ الدّينِ قَدْ جَمَعَ جَيشَهُ — تَقديراتٌ تَتراوَحُ بَينَ عِشْرينَ وَخَمسينَ أَلفَ جُنديٍّ — على تِلّةٍ تُطلُّ عَلى سَهلِ حِطّين. كانَت أَعلامُهُ الخُضراءُ تَرفِرفُ في الهَواءِ الحارِّ، وَخَيلُهُ تَنتَظِرُ.
“اللهُ أَكبَرُ!” — الصَّيحَةُ تَعالى مِن التِّلَّةِ.
“دِيوسُ ڤولت!” — صاحَ الصَّليبيّونَ في الرَّدِّ. “اللهُ يُريدُ!”
الجَحيمُ
بَدَأَتْ المَعرَكَةُ بِهُجومٍ خَفيفٍ: قُوّاتٌ مَغرِبِيَّةٌ — فُرسانٌ سُراعٌ — تَهاجِمُ، تَرْمي سِهاماً، تَتَراجَعُ.
كانَت خُطَّةُ صَلاحِ الدّينِ بَسيطَةً وَفَعّالَةً: أَرهِقِ الصَّليبيّينَ، أَجعَلْهُمْ يَتَبِعونَكَ، اِجْعَلْهُمْ يَمْشونَ تحتَ الشَّمسِ حَتّى يَسْقُطوا.
وَكَانَت تَعمَلُ.
بَعدَ ساعاتٍ قَليلَةٍ، كانَ جِيرارُ يَشعُرُ بِالعَطَشِ يَأكُلُ حَلْقَهُ. كَانَ يَرى زُملاءَهُ — فُرساناً، رِجالَ أَقدامٍ — يَسْقُطونَ مِن الإرهاقِ وَالحَرِّ. الدُّرُوعُ الثَّقيلَةُ، الَّتي كَانَت تَحميهِمْ، صارَتْ سِجْناً.
في الواحِدَةِ ظُهراً، أَمرَ المَلِكُ غي بِالتَّوَقُّفِ. كانَ الجَيشُ قَدْ سارَ عَشَرَةَ أَميالٍ تحتَ الشَّمسِ، بِلا ماءٍ، بِلا ظِلٍّ.
“نَستَريحُ”، قالَ المَلِكُ. “ثُمَّ نُهاجِمُ.”
لَكِنَّ صَلاحَ الدّينِ لَم يُعطِهِمْ وَقتاً.
الهُجومُ الحاسِمُ
في الثّانِيَةِ ظُهراً، بَدَأَ الهُجومُ الحَقيقيُّ.
كَانَ صَلاحُ الدّينِ قَدْ أَخفى أَفضَلَ قُوّاتِهِ — المَماليكَ، الفُرسانَ الأَكرادَ — خَلفَ التِّلَّةِ. الآنَ، عِندَما كانَ الصَّليبيّونَ مُرهَقينَ، ظَهَروا.
جاءوا مِن الشَّمالِ، مِن الجَنوبِ، مِن الشَّرقِ. كانَت خَيولُهُمْ سَريعَةً، رِماحُهُمْ طَويلَةً، وَهُمْ يَقاتِلونَ بِلا دُرُوعٍ تُثَقِّلُهُمْ.
كانَ جِيرارُ يَرى المَوتَ يَأتي مِن كُلِّ جِهَةٍ.
“الصَّفَّ!” — صاحَ قائِدُهُ. “اِحْفَظوا الصَّفَّ!”
لَكِنَّ الصَّفَّ تَفَكَّكَ. الجُنودُ — العَطْشانونَ، المُتْعَبونَ — بَدَأوا يَهْرُبونَ. وَحينَ يَهْرُبُ الجُنديُّ في المَعرَكَةِ، يَصيرُ فَريسَةً.
رَأى جِيرارُ فارِساً مَغرِبِيّاً يَتَوَجَّهُ نَحوَهُ. رَفَعَ دِرْعَهُ، لَكِنَّ الرُّمحَ اِخْتَرَقَهُ كَما يَختَرِقُ السَّكينُ الزُّبْدَةَ. شَعَرَ بِوَجْعٍ حارٍّ في صَدْرِهِ، ثُمَّ لَمْ يَشْعُرْ بِشَيءٍ.
ما بَعدَ المَعرَكَةِ
لَمْ يَمُتْ جِيرارُ.
اِخْتَرَقَ الرُّمحُ دِرْعَهُ وَلَمْ يَخْتَرِقْ قَلبَهُ. سَقَطَ، فَقَدَ الوَعيَ، وَأُسِرَ.
عِندَما أَفاقَ — بَعدَ يَومَينِ، في مُعَسكَرٍ مَغرِبِيٍّ — وَجَدَ نَفْسَهُ بَينَ آلافِ الأَسْرى. كانَ المَلِكُ غي قَدْ أُسِرَ. الكونتُ ريموندُ هَرَبَ. أَربَعونَ أَلفاً مِن جُنودِ الصَّليبِ قُتِلوا أَوْ أُسِروا.
كانَت حِطّين — في لَحْظَةٍ واحِدَةٍ — قَدْ أَنهَتْ الحُكمَ الصَّليبيَّ في الشَّامِ.
صَلاحُ الدّينِ
في الأَسْشِعَةِ المَغرِبِيَّةِ، يَظْهَرُ صَلاحُ الدّينِ كَما أَرادَ أَنْ يَظْهَرَ: مُتَسامِحٌ، كَريمٌ، عادِلٌ.
لَمْ يَقْتُلِ الأَسْرى. باعَ بَعضَهُمْ، أَطْلَقَ سَراحَ بَعضٍ، عالَجَ الجُرْحى. وَعِندَما أَتى المَلِكُ غي — أَعْمى، مَسْكينٌ — عامَلَهُ بِاحْتِرامٍ.
لَكِنَّ الحَقيقَةَ كَانَت أَكثَرَ تَعْقيداً. صَلاحُ الدّينِ كَانَ يُريدُ أَكثَرَ مِنْ نَصْرٍ عَسْكَريٍّ. كَانَ يُريدُ أَنْ يُظْهِرَ أَنَّ الإسلامَ أَرْقى مِنْ ما يَظُنُّهُ الصَّليبيّونَ. أَنَّ المُسلِمينَ لَيسوا “البَرابِرَةَ” الَّذينَ وَصَفَهُمُ الكَهَنَةُ.
وَنَجَحَ.
بَعدَ حِطّينَ بِشَهْرٍ، فَتَحَ القُدْسَ. دَخَلَ المَدينَةَ بِسَلامٍ — لَمْ يَقْتُلْ، لَمْ يَنْهَبْ، لَمْ يُدَمِّرْ. وَقَفَ في المَسْجِدِ الأَقْصى، أَمَرَ بِتَنْظيفِهِ مِنَ الصَّليبِ الَّذي وَضَعَهُ الفِرَنجُ، وَأَذَّنَ فيهِ.
كَانَت هذِهِ اللَّحْظَةُ — لَحْظَةُ الفَتْحِ بِالرِّفْقِ — أَكثَرَ أَهَمِّيَّةً مِنْ أَيِّ نَصْرٍ عَسْكَريٍّ.
جِيرارُ المَأْسُورُ
باعَ جِيرارُ — بَعْدَ أُسْرٍ دامَ سِتَّةَ أَشهُرٍ — إلى تُجّارِ رِقٍّ في دِمَشْقَ. كانَ سِعرُهُ — فارِسٌ شابٌّ، بِصِحَّةٍ جَيِّدَةٍ — خَمْسينَ ديناراً ذَهَبِيّاً.
اِشْتَراهُ أَميرٌ مَحَلِّيٌّ، اِسْتَخْدَمَهُ في حِراسَةِ قَصْرِهِ. عاشَ جِيرارُ في دِمَشْقَ عَشْرَ سِنينَ — تَعَلَّمَ العَرَبِيَّةَ، تَزَوَّجَ جارِيَةً يَونانِيَّةً، أَنْجَبَ وَلَدَيْنِ.
في رِسالَةٍ أُخْرى — وَصَلَتنا بِطَريقٍ غَيْرِ مُباشِرٍ — يَكتُبُ:
“أَخي العَزيز، لَمْ أَعُدْ أَعرِفُ مَنْ أَنا. أَصْبَحْتُ أُصَلِّي — أَحياناً — مَعَ المُسلِمينَ. لَيسَ لِأَنّي فَقَدْتُ إيماني، بَلْ لِأَنّي وَجَدْتُ شَيئاً هُنا. سَلامٌ، رُبَّما. أَوْ قَبولٌ.”
“لَستُ أَعرِفُ إنْ كانَ اللهُ سَيَغْفِرُ لي. لَكِنّي أَعرِفُ أَنّي — لِأَوَّلِ مَرَّةٍ — أَشْعُرُ بِأَنّي حَيٌّ.”
في سَهْلِ حِطّينَ
اليَومَ، سَهْلُ حِطّينَ هادِئٌ.
تَنْمُو فيهِ الحِنْطَةُ وَالزَّيْتونُ. قُرى صَغيرَةٌ، أَطْفالٌ يَلْعَبونَ، رِجالٌ يَعْمَلونَ. لَيسَ هُناكَ ما يُذَكِّرُ بِالمَجْزَرَةِ — سِوى تِلّةٍ صَغيرَةٍ، وَلافِتَةٍ بِالعَرَبِيَّةِ وَالإنْجِليزِيَّةِ.
لَكِنَّ التاريخَ يَبْقى.
في أَيِّ مَكانٍ في هذا السَّهْلِ، يُمْكِنُكَ أَنْ تَقِفَ وَتَتَخَيَّلَ: الجُنودُ، العَطَشُ، الصَّيْحاتُ، السُّيوفُ. وَفَوقَ هذا كُلِّهِ، الشَّمْسُ الَّتي لَمْ تَكُنْ تُفَرِّقْ بَيْنَ أَحَدٍ.
جِيرارُ دي مونتريل — إِنْ كانَ قَدْ عاشَ — ماتَ في دِمَشْقَ، بَعْدَ عِشْرينَ عاماً مِنَ الأَسْرِ. وَلَداهُ تَكَبَّدا، تَزَوَّجا، عاشا كَمُسلِمَيْنِ.
أَحَدُ أَحْفادِهِ — يَقولُ التَّقْليدُ — كانَ مِنْ عُلَماءِ دِمَشْقَ في القَرْنِ الثّالِثَ عَشَرَ.
هذا هو التاريخُ الحَقيقيُّ: لَيسَ نُصْراً وَهَزائِمَ، بَلْ بَشَراً يَتَحَوَّلونَ، يَتَأَثَّرونَ، يَبْنونَ شَيئاً جَديداً مِنْ حَطامِ الأَشْياءِ.
مَصادِرُ
مَصادِرُ أَوَّلِيَّةٌ:
- ابن الأَثير، الكامِل في التاريخ.
- ابن شَدّاد، النَّوادِر السُّلطانِيَّة.
- Imad ad-Din al-Isfahani، الفتح القسي في الفتح القدسي.
مَصادِرُ ثانَوِيَّةٌ:
- Maalouf, Amin. الصَّليبيّونَ بِعَيْنِ العَرَبِ. 1983.
- Reston, James. Warriors of God. 2001.
- Lyons, Malcolm Cameron. Saladin: The Politics of Holy War. 1982.
دِراساتٌ حَديثَةٌ:
- Kedar, Benjamin. Crusade and Mission. 1984.
- Ellenblum, Ronnie. Frankish Rural Settlement in the Latin Kingdom of Jerusalem. 1998.