هناك معضلة أساسية تواجهنا دائماً عند مناقشة سير الكُتّاب العظماء، وتتجلى بوضوح صارخ في حالة الكاتب والفيلسوف الأمريكي “هنري ديفيد ثورو”. تكمن المشكلة في الكذبة التي نرددها ونصدقها: الاعتقاد بأنه كان يدرك تماماً ما يفعله طوال الوقت.

إن المكانة الأيقونية التي يحظى بها ثورو في الثقافة الأمريكية—وكونه مصدر إلهام لشخصيات بحجم غاندي ومارتن لوثر كينغ—تخلق وهماً بأننا نستطيع تناول أفكاره كقطعة فنية مثالية خالية من الشوائب. لكن، ورأفةً به وبأنفسنا، يجب أن نرفض هذه اللعبة. لم يكن ثورو قديساً أو حكيماً معصوماً؛ بل كان إنساناً يتخبط، يرسل رسائل غاضبة لمحرريه، ويتصرف بحماقة وارتباك في مواقفه الاجتماعية. والسؤال الذي يطرح نفسه منذ كان في العشرينيات من عمره: هل كان ثورو عبقرياً وقديساً، أم مجرد شخص بالغ الإزعاج؟

1. مسيرة متعرجة وصراعات أدبية

وُلد ثورو عام 1817 لعائلة تصنع أقلام الرصاص. ورغم تعليمه في جامعة هارفارد، وتأثره العميق بمعلمه “رالف والدو إيمرسون”، إلا أن نجاحه لم يكن فورياً. انتقل للعيش في كوخ عند بحيرة “والدن” وهو في السابعة والعشرين (بينما كانت والدته لا تزال تغسل ملابسه!)، وفشل كتابه الأول، ولم يذق طعم النجاح إلا مع كتابه الثاني “والدن” (Walden) وهو في السابعة والثلاثين.

المفارقة الأكبر تجلت في علاقته بالصحافة، وتحديداً مجلة “ذا أتلانتيك” (The Atlantic). دخل ثورو في عداء مرير مع محرر المجلة، “جيمس راسل لويل”، الذي سخر مسبقاً من قصر قامته واتهمه بتقليد إيمرسون. وعندما حذف لويل جملة من مقال لثورو، أقسم الأخير ألا يكتب للمجلة أبداً طالما بقي لويل فيها. المفارقة أن “ذا أتلانتيك” أصبحت بعد وفاة ثورو عام 1862 هي المنبر الأكبر للترويج لإرثه، بينما قضى لويل نصف قرن يهاجم ثورو ويصفه بـ “المريض” و”المغرور الممل”.

2. الجانب المظلم: لماذا كان ثورو “مزعجاً”؟

إذا نظرنا للحقائق المجردة، سنجد أن ثورو لم يكن شخصاً تود قضاء وقت فراغك معه:

  • العزلة المتعالية: كان يرفض الانخراط مع معجبيه الشباب الذين رأوا فيه طوق نجاة لأزماتهم الوجودية. كان يتجاهلهم على مائدة العشاء ويرفض دعواتهم للتنزه.
  • النظرة الدونية للمرأة: باستثناءات قليلة، كان يرى النساء كائنات ضعيفة ومملة ووصفهن بـ “جيش من غير المنتجين” (وهو نقد غريب من رجل يقضي أربع ساعات يومياً في التجول في الغابات!).

3. إذن.. لماذا لا نزال نقرأ لثورو؟

رغم طباعه الحادة، وانعزاله، وآرائه الجدلية، هناك سببان جوهريان يجعلان من قراءة ثورو ضرورة ملحة:

  • البوصلة الأخلاقية الصارمة: في أعظم أزمة أخلاقية في عصره، وقف ثورو في الجانب الصحيح من التاريخ. أدرك بشجاعة أن العبودية جريمة بشعة ضد الإنسانية، حتى لو كانت ركيزة الاقتصاد الأمريكي آنذاك، وآمن بحق استخدام القوة لإسقاطها.
  • العبقرية الأدبية النادرة: كان ثورو يمتلك قدرة خارقة على الملاحظة والانتباه. في مقالته “المشي” (Walking)، يأخذنا في رحلة بصرية ساحرة عبر الغابات عند الغروب، ويصف شعاع الشمس الذي يحول الأشجار إلى قاعة ذهبية لعائلة أسطورية. والأهم من ذلك، امتلك الصدق الكافي ليعترف في السطر التالي بأن كل هذه الأفكار الجميلة تلاشت من عقله وتتبخر حتى وهو يتحدث عنها. لقد استطاع التقاط “لحظة العيش” بكل تقلباتها وصدقها.

4. إرثه: الأب الروحي للتناقضات الحديثة

كان ثورو تجسيداً للتناقض؛ يكره جيرانه لكنه يعشق الإنسانية جمعاء. إنه الأب الروحي للعديد من الأنماط الحديثة: بدءاً من مصممي واجهات الاستخدام المبسطة (Minimalist UX designers)، وصولاً إلى الرحالة وعشاق البرمجيات مفتوحة المصدر.

استمد ثورو أمله من التجدد والنمو الدائمين. ورغم كل العيوب التي اعترت شخصيته، فقد امتاز بصفة تقارب القداسة في عالمنا المليء بالزيف: إنه لم يكذب أبداً.