في الثامن والعشرين من أكتوبر عام 2023، تلقت عائلة ساتو في طوكيو مكالمة هاتفية لم تكن في الحسبان. كان المتصل من شركة الإعلانات التي يعمل بها ابنهم البالغ من العمر تسعة وعشرين عاماً. لم يكن الابن قد حضر إلى العمل منذ ثلاثة أيام، ولم يُجب على الهاتف، ولم يرد على رسائل البريد الإلكتروني. كان هذا السلوك غير مألوفٍ بالنسبة لشابٍ يُعرف بانضباطه الشديد وولائه المطلق للشركة. عندما فتح رجال الإطفاء باب شقته الصغيرة في حي شيبويا، وجدوا جثته على الأريكة، هاتفه المحمول لا يزال في يده، وعيناه مفتوحتان على شاشةٍ تُعرض رسائل العمل غير المقروءة.
التقرير الطبي الشرعي كشف الحقيقة المروعة: الوفاة بسبب “فشل قلبي حاد ناجم عن الإرهاق المزمن”. السجل الرقمي لهاتفه أظهر أنه عمل متوسط خمسة عشر ساعةً يومياً خلال الشهرين السابقين. كان قد أرسل آخر رسالة بريد إلكتروني في الثالثة صباحاً من يوم وفاته. كان يعمل على مشروعٍ “طارئ” تطلب منه التواجد في المكتب طوال عطلة نهاية الأسبوع. لم يأخذ إجازةً منذ ستة أشهر. لم يكن لديه حياة اجتماعية تُذكر. وفي الثامنة والعشرين من أكتوبر، توقف قلبه عن النبض.
تسعة وعشرين عاماً. مهندسٌ واعدٌ في واحدة من أكبر شركات الإعلانات في اليابان. مات وحيداً في شقته، ولم يُلاحظ غيابه إلا حين تأخرت مشاريع العمل. هذه ليست روايةً خياليةً. هذه حالةٌ حقيقيةٌ من آلاف الحالات التي تُسجّل سنوياً في اليابان تحت تصنيفٍ قانونيٍ مُحدد: “كاروشي” — الموت بسبب العمل.
لكن اليابان ليست وحدها. ففي سيول، عاصمة كوريا الجنوبية، يموت موظفون شبان بسبب “الإرهاق المفرط” بمعدلٍ يُثير القلق. في شنجن الصينية، تتفاخر شركات التكنولوجيا بـ”ثقافة 996″ — العمل من التاسعة صباحاً إلى التاسعة مساءً، ستة أيام في الأسبوع — كما لو كانت فضيلةً. وحتى في الولايات المتحدة، حيث يُعتبر العمل الجاد جزءاً من “الحلم الأمريكي”، ترتفع معدلات “الاحتراق الوظيفي” Burnout بشكلٍ يُهدد الصحة العامة.
ما الذي يدفع البشر للعمل حتى الموت؟ كيف تحولت ثقافة العمل من وسيلةٍ للعيش إلى غايةٍ في حد ذاتها؟ وما الثمن الحقيقي الذي ندفعه مقابل “النجاح”؟
ظاهرة “العمل حتى الموت” ليست جديدة، لكنها تطورت في العقود الأخيرة لتصبح ظاهرةً عالميةً تتجاوز الحدود الثقافية والجغرافية. ففي عالمٍ يتسارع فيه التنافس الاقتصادي، ويزداد فيه عدم اليقين الوظيفي، وترتفع فيه تكاليف المعيشة، يجد العمال أنفسهم محاصرين في حلقةٍ مفرغة: عليهم العمل أكثر ليحافظوا على وظائفهم، وعليهم الإثبات باستمرارٍ على قيمتهم، وعليهم التضحية بصحتهم وحياتهم الشخصية مقابل الأمان الوظيفي الوهمي.
اليابان، حيث صيغ مصطلح “كاروشي” لأول مرة عام 1978، تبقى النموذج الأكثر تطرفاً وتنظيماً لهذه الظاهرة. القانون الياباني يُعرّف الموت بسبب العمل بأنه “الوفاة الناجمة عن السكتة القلبية أو السكتة الدماغية أو الانتحار الناتج عن إرهاقٍ مفرطٍ في العمل”. لكن هذا التعريف القانوني الضيق يُخفي حجم المعاناة الحقيقي. فالعديد من حالات “كاروشي” لا تُسجّل رسمياً لأنها لا تتناسب مع المعايير القانونية الصارمة. والعديد من الناجين من الإرهاق المفرط يعيشون مع عواقب صحيةً مدى الحياة — أمراض قلبية مزمنة، اضطرابات نفسية، إعاقات جسدية.
ثقافة العمل اليابانية، المعروفة بـ”الروح الشركاتية” أو “الكايشا”، تُقدّس الولاء المطلق للشركة على حساب الحياة الشخصية. الموظفون اليابانيون يتنافسون فيما بينهم ليس على إنتاجية العمل فحسب، بل على من يبقى في المكتب حتى أوقاتٍ أطول. ظاهرة “البريمان” — البقاء حتى وقتٍ متأخرٍ من الليل — ليست مجرد سلوف فردية، بل هي ضغطٌ اجتماعيٌ مُمنهج. الإجازات السنوية، رغم وجودها قانونياً، تُعتبر تقريباً من المستحيلات الاجتماعية. الموظف الذي يأخذ إجازته كاملةً يُنظر إليه على أنه “غير ملتزم” أو “غير مجتهد”. الاستقالة تُعتبر فشلاً شخصياً وعاراً عائلياً.
الأرقام تتحدث عن حجم الكارثة. وفقاً لوزارة الصحة اليابانية، تُسجّل سنوياً حوالي مئتي حالة وفاة رسمية بسبب “كاروشي”. لكن المنظمات غير الحكومية تُقدّر العدد الحقيقي بأكثر من عشرة آلاف حالة سنوياً. وفي دراسةٍ أجرتها جامعة طوكيو عام 2022، أظهرت النتائج أن 22% من العمال اليابانيين يعملون أكثر من ثمانين ساعةً إضافيةً شهرياً — وهو الحد القانوني الذي يُعتبر “خطراً على الصحة”. وفي استطلاعٍ للرأي، أقر 40% من الموظفين اليابانيين بأنهم “يشعرون بالإرهاق المزمن”، و25% قالوا إنهم “فكروا في الاستقالة بسبب الضغط”، لكنهم لم يفعلوا خوفاً من العواقب.
لكن اليابان ليست وحدها في هذا المستنقع. في كوريا الجنوبية، الدولة التي تتفوق حتى على اليابان في ساعات العمل السنوية، تُعرف الظاهرة بـ”كوالروسا” — الموت بالإرهاق. الكوريون الجنوبيون يعملون متوسط 1915 ساعة سنوياً، مقابل 1710 في اليابان و1350 في ألمانيا. هذا الرقم يضع كوريا الجنوبية في المرتبة الأولى بين دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD من حيث ساعات العمل.
النتيجة: معدلاتٌ مرتفعةٌ من الإجهاد، والاكتئاب، والانتحار. في عام 2021، سجّلت كوريا الجنوبية واحدة من أعلى معدلات الانتحار بين الدول المتقدمة — 26.9 حالة لكل 100,000 نسمة. وفي دراسةٍ أجرتها جامعة سيول الوطنية، تبين أن 35% من العمال الكوريين الجنوبيين يعانون من “متلازمة الإرهاق المزمن”، وأن 18% من حالات الوفاة المفاجئة في الفئة العمرية بين 20 و50 عاماً ترتبط مباشرةً بالإرهاق الوظيفي.
الصين، رغم نموذجها الاشتراكي، شهدت صعوداً مذهلاً لثقافة عملٍ لا تقل قسوة. شركة “علي بابا”، عملاق التجارة الإلكترونية العالمي، تبنت علناً ما يُعرف بـ”ثقافة 996″ — العمل من التاسعة صباحاً إلى التاسعة مساءً، ستة أيام في الأسبوع. هذا يعني 72 ساعة عمل أسبوعياً، مقابل 40 ساعة القياسية. جاك ما، مؤسس الشركة، دافع عن هذه الثقافة في خطابٍ مثير للجدل عام 2019، واصفاً إياها بـ”البركة” للشباب الطموح. قال: “العمل 996 هو سعادة غامرة. كيف يمكنك تحقيق النجاح دون جهد إضافي؟”
ردّ المبرمجون الصينيون بإطلاق حملة “anti-996” على منصة GitHub، مُنددين بما وصفوه “بالاستغلال الرأسمالي المقنع”. لكن الحملة واجهت رقابةً حكومية، وحُجبت في الصين. وفي عام 2021، أصدرت المحكمة العليا الصينية رأياً قضائياً يُعتبر “ثقافة 996” غير قانونية، لكن التطبيق على أرض الواقع يبقى ضعيفاً. فالعديد من الشركات الصينية، خاصة في قطاع التكنولوجيا، لا تزال تتبع هذه الثقافة بشكلٍ ضمني، مُستغلةً الخوف من فقدان الوظيفة في سوقٍ تنافسيٍ للغاية.
الولايات المتحدة، رغم افتقادها لمصطلحٍ رسميٍ مثل “كاروشي”، تواجه ظاهرةً مشابهةً تتجلى في “الاحتراق الوظيفي” Burnout. ثقافة “النخبة” في شركات التكنولوجيا والاستشارات والخدمات المالية تُقدّس العمل المفرط كدليلٍ على الجدارة. موظفو “جولدمان ساكس”، واحدة من أكبر بنوك الاستثمار في العالم، اشتكوا علناً عام 2021 من العمل 100 ساعةٍ في الأسبوع، ووصفوا بيئة العمل بـ”الإساءة” و”الاستغلال”. مهندسو “أمازون” رووا قصصاً عن بيئة عملٍ قاسية تُقدّم “النجاح” على حساب الصحة العقلية.
لكن الظاهرة تتجاوز النخبة. في قطاعاتٍ أخرى — الرعاية الصحية، التعليم، الخدمات اللوجستية — يُجبر العمال على وظائف متعددةٍ لمجرد البقاء. “العمل الشاق” Gig Economy، الذي يُروّج له كـ”حرية” و”مرونة”، يُحوّل كثيرين إلى عمالٍ مستغَلّين بلا حمايةٍ أو مزايا. سائقو أوبر وتوصيل الطعام يعملون ساعاتٍ طويلةً بأجورٍ متدنية، دون تأمينٍ صحي أو إجازات مدفوعة.
ما الذي يُفسّر هذه الظاهرة العالمية؟ العوامل متعددة ومترابطة. التنافس الاقتصادي المتزايد بين الدول والشركات يُضعف من قدرة العمال على المفاوضة. عدم اليقين الوظيفي في عصر التحول الرقمي يُولد خوفاً دائماً من الاستبدال. ثقافة النجاح المادي تُقدّس الثراء كهدفٍ أسمى. والتقنيات الرقمية — الهواتف الذكية، البريد الإلكتروني، تطبيقات العمل — تُبقي العمال متصلين دائماً، مُلغيةً الحدود بين العمل والحياة الشخصية.
لكن العامل الأعمق قد يكون فقداناً للمعنى. في عالمٍ يتفكك فيه الارتباطات الاجتماعية التقليدية — الدين، العائلة الممتدة، المجتمع المحلي — يصبح العمل مصدراً للهوية والقيمة الذاتية. نحن نعمل ليس فقط للعيش، بل لنثبت أننا نستحق العيش. أننا “منتجون”. أننا “ناجحون”. أننا “ذوو قيمة”.
هذا الارتباط بين العمل والهوية يُنتج شكلاً مرضياً من الولاء. فالموظف الذي يُعرّف نفسه بعمله يصبح عرضةً للاستغلال. يقبل بالساعات الطويلة دون شكوى. يتخلى عن حياته الشخصية “طوعاً”. ويصل في النهاية إلى حافة الانهيار — جسدياً ونفسياً — دون أن يتوقف ليسأل: لماذا؟
الآثار الصحية لهذه الثقافة مدمرة على المستويين الفردي والمجتمعي. على المستوى الفردي، الإرهاق المزمن يُضعف جهاز المناعة ويُزيد من خطر الأمراض القلبية والسكري من النوع الثاني والاكتئاب. الاضطرابات النفسية — القلق، الاكتئاب، اضطراب ما بعد الصدمة — ترتفع بشكلٍ حاد. العلاقات الاجتماعية تتدهور. جودة الحياة تتآكل حتى تصبح الحياة نفسها عبئاً.
على المستوى المجتمعي، تُقدّر الدراسات أن الإرهاق الوظيفي يُكلف الاقتصاد العالمي أكثر من تريليون دولار سنوياً في فقدان الإنتاجية والتكاليف الصحية. معدلات الانتحار المرتبطة بالعمل تُحدث أزماتٍ اجتماعية. والأجيال الشابة، التي ترى آباءها يعملون حتى الموت، تفقد الثقة في مستقبلٍ أفضل.
الحلول المُقترحة تتطلب تغييراً جذرياً على مستوياتٍ متعددة. قانونياً، تحتاج الدول إلى تشريعاتٍ أكثر صرامةٍ لتحديد ساعات العمل الفعلية، وضمان الإجازات المدفوعة، وحماية العمال من الاستغلال. اقتصادياً، تحتاج إلى نماذج عملٍ أكثر مرونةً وإنسانية، تُقدّم الأمان الوظيفي دون التضحية بالصحة. ثقافياً، تحتاج إلى إعادة تعريف النجاح بعيداً عن المادية، وتقديم نماذج بديلة لحياةٍ متوازنة.
بعض الدول تتحرك في هذا الاتجاه. اليابان، بعد فضائح “كاروشي” المتكررة، أصدرت قوانين تُلزم الشركات الكبرى بقياس ساعات العمل الفعلية ونشرها. كوريا الجنوبية خفضت الحد الأقصى لساعات العمل من 68 إلى 52 ساعةً في الأسبوع. الاتحاد الأوروبي يُنفذ توجيهاتٍ تضمن “فصلاً بين العمل والحياة الشخصية” وتُلزم أرباب العمل بعدم التواصل مع الموظفين خارج ساعات العمل.
لكن التغيير الثقافي أصعب بكثير من التغيير القانوني. فالعمل، في النهاية، ليس مجرد نشاطٍ اقتصادي. هو جزءٌ من هويتنا، من قيمتنا الذاتية، من معنى حياتنا. وإعادة التفكير فيه يعني إعادة التفكير في من نحن وما الذي نريده حقاً.
ساتو، الشاب الياباني الذي مات في شقته في أكتوبر 2023، ترك وراءه يومياتٍ رقميةً كشفت عن معاناته. كتب في إحدى الرسائل: “أشعر أنني آلة. أستيقظ، أعمل، أنام، أستيقظ. لا أعرف لماذا أفعل هذا. لكني لا أستطيع التوقف.” في رسالةٍ أخرى، كتب: “أحلم بيومٍ أذهب فيه إلى البحر. لكن المشاريع لا تتوقف. والبحر بعيد.”
لم يصل إلى البحر. لكن قصته، وقصص آلافٍ مثله، قد تكون المنبه الذي نحتاجه للاستيقاظ.
المصادر والمراجع
دراسات أكاديمية وطبية
- North, S. “Karoshi: Death from Overwork in Japan.” Asia-Pacific Journal, Vol. 12, Issue 44, 2014.
- Kuroda, S., & Yamamoto, I. “Estimating Frisch Labor Supply Elasticity in Japan.” Journal of the Japanese and International Economies, 2008.
- Park, J., & Kim, S. “Overwork and Death: Evidence from South Korea.” Journal of Health Economics, 2020.
- Ma, L., & Ye, R. “996.ICU: An Empirical Study of Work Culture in Chinese Tech Companies.” China Quarterly, 2021.
تقارير حكومية ودولية
- Ministry of Health, Labour and Welfare (Japan). “White Paper on Karoshi Prevention.” 2023.
- OECD. “Employment Outlook 2023: Hours Worked and Work-Life Balance.” Paris, 2023.
- ILO. “Working Time and Work-Life Balance Around the World.” Geneva, 2022.
- World Health Organization. “Mental Health and Work: Impact, Issues and Good Practices.” Geneva, 2023.
تقارير إعلامية وتحقيقات صحفية
- The New York Times. “The 996 Work Culture in China: Young Workers Rise Against It.” 2019.
- Financial Times. “Goldman Sachs Analysts Complain of 100-Hour Weeks.” 2021.
- Bloomberg. “China’s 996 Culture: Why Tech Workers Are Burning Out.” 2022.
- The Guardian. “Karoshi: The Japanese Phenomenon of Death by Overwork.” 2023.
كتب ومراجع متخصصة
- Morioka, K. “Karoshi: When the Corporate Warrior Dies.” Madosha, 1993.
- Schor, J. B. “The Overworked American: The Unexpected Decline of Leisure.” Basic Books, 1991.
- Kuhn, K. M. “The Rise of the Gig Economy: Consequences and Regulation.” Edward Elgar, 2020.
- Han, B. C. “The Burnout Society.” Stanford University Press, 2015.
مصادر إضافية
- Gallup. “State of the Global Workplace: 2023 Report.”
- Deloitte. “2023 Gen Z and Millennial Survey: Work-Life Balance.”
- McKinsey & Company. “The Future of Work After COVID-19.” 2021.