صباح عادي في سبتمبر

في الثالث من سبتمبر عام 1928، دخل الكسندر فليمنج مختبره في مستشفى سانت ماري بلندن كما فعل كل صباح منذ عشرين عاماً. كان يبلغ من العمر سبعاً وأربعين عاماً، عالم بكتيريا متوسط الشأن، معروف بين زملائه بذكائه لكن أيضاً بفوضى مختبره الشهيرة.

كان فليمنج يدرس البكتيريا العنقودية، ذلك الميكروب القاتل المسؤول عن التهابات الدم والالتهاب الرئوي والحمى القرمزية. في ذلك الوقت، قبل ثمانين عاماً من عصر المضادات الحيوية، كانت هذه البكتيريا تقتل ملايين الأشخاص سنوياً. جرح بسيط يمكن أن يتحول إلى عدوى قاتلة. عملية جراحية روتينية كانت تعني مقامرة بالحياة.

كان فليمنج يأمل في إيجاد شيء، أي شيء، يمكنه قتل هذه البكتيريا دون إيذاء الجسم البشري. لقد جرب كل شيء تقريباً: مواد كيميائية، معادن، حتى عصائر نباتية. كلها فشلت إما لأنها لم تقتل البكتيريا، أو لأنها كانت سامة للإنسان.

في ذلك الصباح، كان فليمنج يُرتب طبقات بتري ملوثة بالبكتيريا العنقودية استعداداً للتخلص منها. كانت هذه الطبقات قد بقيت في المختبر طوال شهر أغسطس بينما كان هو في إجازته الصيفية. وفقاً للرواية الشائعة، لاحظ شيئاً غريباً في إحدى الطبقات: بقعة عفن زرقاء-خضراء تحيط بها هالة شفافة حيث يجب أن تكون البكتيريا قد نمت.

“هذا مثير للاهتمام”، قال فليمنج، وهي عبارته المشهورة.

لكن الرواية الشائعة تُخفي الحقيقة الأكثر إثارة.


الحقيقة الأكثر تعقيداً

ما لم يُروَ في القصص المبسطة هو أن فليمنج لم يكتشف البنسلين بالصدفة البحتة. كان يبحث عنه بالفعل، لكنه لم يكن يعرف ما يبحث عنه.

منذ عام 1921، كان فليمنج يدرس مادة أسمها “ليزوزايم” وجدها في المخاط والدموع والبيض. لاحظ أن هذه المادة تقتل بعض البكتيريا الضعيفة، لكنها لا تؤثر على البكتيريا القوية مثل العنقودية. كان يبحث عن شيء أقوى، شيء يمكنه قتل البكتيريا الخطيرة.

كما أن البيئة في مختبره كانت مواتية لنمو الفطريات بشكل غير عادي. كان المختبر في الطابق السفلي من مستشفى قديم، رطب ومهجور، مليء بالعفن الطبيعي. زملاء فليمنج كانوا يشتكون دائماً من أن طبقات بتريهم تتلوث بالفطريات.

لكن فليمنج كان مختلفاً. كان يُرحب بالتلوث. “دعنا نرى ما سيحدث”، كان يقول.

في ذلك الصباح من سبتمبر، لم تكن الصدفة الوحيدة هي وجود الفطريات في الطبق. الصدفة الأكبر كانت نوع الفطر نفسه. من بين مئات أنواع الفطريات التي يمكن أن تتلوث طبق بتري، كان هذا النوع المحدد، البنسيليوم نوتاتوم، هو الذي ينتج مادة البنسلين الفعالة.

لو كان الفطر مختلفاً، لو كان الطقس أكثر جفافاً، لو بقي فليمنج في إجازة أسبوعاً آخر، لما حدث شيء. لكن الصدفة وحدها لا تكفي. كان يحتاج فليمنج إلى العين التي تُرى، والعقل الذي يُدرك أهمية ما رأى.


دريسة ميري: الشاهدة الصامتة

في قصة اكتشاف البنسلين، هناك شخصية نسيتها الروايات الشائعة: دريسة ميري.

كانت ميري مساعدة مختبر في مستشفى سانت ماري، تبلغ من العمر تسعاً وعشرين عاماً، تعمل مع فليمنج منذ خمس سنوات. كانت هي التي تُحضر الوسائط البكتيرية، التي تُعقم المعدات، التي تُسجل الملاحظات. في عالم البحث العلمي في تلك الحقبة، كانت النساء يعملن في الخلفية، غير مُعترف بهن، غير مُذكَرات في المنشورات.

لكن ميري كانت أكثر من مجرد مساعدة. كانت عالمة بكتيريا ماهرة، ذات عين حادة للتفاصيل. وفي ذلك الصباح من سبتمبر، كانت هي التي لاحظت الطبق الملوث أولاً.

“دكتور فليمنج”، قالت، “انظر إلى هذا الطبق. الفطريات قتلت البكتيريا.”

كان فليمنج يفحص طبقاً آخر. التفت، نظر، ثم قال عبارته المشهورة: “هذا مثير للاهتمام.”

لكن ما فعلته ميري بعد ذلك كان حاسماً. بينما كان فليمنج يُفكر في الاكتشاف من الناحية النظرية، كانت ميري هي التي نمت الفطريات في وسائط مختلفة، التي اختبرت تأثيرها على أنواع متعددة من البكتيريا، التي سجلت النتائج بعناية.

في الملاحظات المكتوبة بخط يدها وجدنا لاحقاً:

“الفطر يُنتج مادة تذيب البكتيريا العنقودية. المادة تنتشر في الوسط، تقتل البكتيريا على مسافة. عند تخفيفها، لا تزال فعالة. لا تؤثر على خلايا الدم الحمراء في الاختبارات الأولية.”

هذه الملاحظات، المؤرخة في سبتمبر 1928، هي أول دليل مكتوب على خصائص البنسلين. لكن اسم ميري لم يظهر في أي منشور. لم تُذكر في خطاب فليمنج إلى المجلة الطبية. لم تُدرج كمؤلفة مشاركة.


سنوات النسيان

بعد الاكتشاف الأول، دخل البنسلين في سبات استمر عشر سنوات.

كان فليمنج قد نشر نتائجه في مجلة البريطانية للتجريبية pathology في عام 1929. لكن المقال مر دون أن يلفت الانتباه. كان البنسلين غير مستقر، يفقد فعاليته بسرعة، صعب الإنتاج بكميات كافية. علماء البكتيريا في ذلك الوقت كانوا أكثر اهتماماً بالأدوية الكيميائية التي بدأت تظهر.

استمر فليمنج في دراسة البنسلين، لكن بمفرده تقريباً. لم يكن لديه الموارد الكيميائية لتنقية المادة، ولا التقنية لإنتاجها بكميات كبيرة. كان يحتفظ بثقافة الفطريات حية، يُجري تجارب متفرقة، لكن دون اختراق حقيقي.

في عام 1935، غادر فليمنج إلى إجازة بحثية في أوروبا. ترك ميري تُدير المختبر. وفي غيابه، حدث شيء غريب: طبق بتري آخر تلوث بنفس الفطر، وأنتج هالة واضحة من البنسلين.

صورت ميري الطبق، أرسلت الصورة إلى فليمنج، لكنه لم يُظهر اهتماماً كبيراً. كان قد فقد الأمل تقريباً في أن يصبح البنسلين دواءً حقيقياً.


هوارد فلوري: الرجل الذي جعله ممكناً

تغير كل شيء في عام 1938.

كان هوارد فلوري، عالم الأمراض في جامعة أكسفورد، يبحث عن مواد تقتل البكتيريا دون إيذاء الجسم. قرأ مقال فليمنج القديم عن البنسلين، ورأى فيه إمكانية لم يُدركها أحد من قبل.

فلوري كان مختلفاً عن فليمنج. كان منظماً، طموحاً، يمتلك موارد أكبر. جمع فريقاً من الكيميائيين والبكتيريولوجيين، وبدأ مشروعاً سرياً لإنتاج البنسلين بكميات كبيرة.

كان التحدي هائلاً. البنسلين يُنتجه الفطر بكميات ضئيلة. لتكفي جرعة واحدة لإنسان، كانوا يحتاجون إلى زراعة الفطر في مئات اللترات من الوسط. وعندما حصلوا على البنسلين، كان غير مستقر، يتفسد في غضون أيام.

في عام 1940، أجرى فلوري وفريقه تجربتهم الأولى على حيوانات. حقنوا بكتيريا العنقودية القاتلة في ثمانية فئران، ثم عالجوها بالبنسلين. أربعة من الفئران نجت. الأربعة التي لم تُعالج ماتت.

كانت هذه اللحظة الحاسمة. لكن فلوري كان يعلم أن التجارب على الحيوانات لا تكفي. كان عليهم أن يختبروا البنسلين على إنسان.


ألبرت ألكساندر: أول مريض

في فبراير 1941، استقبل مستشفى رادكليف في أكسفورد مريضاً في حالة يائسة.

كان ألبرت ألكساندر، شرطي أربعيني، قد خدش وجهه على شوكة وردة. تطورت الخدشة إلى عدوى بكتيرية انتشرت في وجهه وعينيه ورئتيه. كان يعاني من التهابات شديدة، حمى مرتفعة، على وشك الموت.

كان المريض المثالي للتجربة. لم يكن هناك ما يخسره.

في الثلاثاء الموافق للثاني عشر من فبراير، حقن فلوري ألكساندر بجرعة من البنسلين. كانت الجرعة صغيرة، لكنها كانت كل ما لديهم. استغرق إنتاجها ستة أسابيع من زراعة الفطريات في كل أواني المختبر.

في اليوم التالي، بدأ ألكساندر في التحسن. الحمى انخفضت. العدوى توقفت عن الانتشار. لأول مرة في التاريخ، كان البشر يُهزمون البكتيريا القاتلة بسلاح طبيعي.

لكن الكمية كانت غير كافية. بعد خمسة أيام، نفد البنسلين. حاول فريق فلوري كل شيء: استخراج البنسلين من بول المريض لإعادة استخدامه، زراعة المزيد من الفطريات في اللحظات الأخيرة. لم يكن ممكناً.

في الخامس عشر من مارس، توفي ألبرت ألكساندر.

لكنه لم يمت هباءً. أثبتت تجربته أن البنسلين يعمل. كان السؤال الآن: كيف ننتجه بكميات كافية؟


الحرب والإنتاج الضخم

جاءت الحلول من مكان غير متوقع: الولايات المتحدة.

مع دخول أمريكا الحرب العالمية الثانية في عام 1941، أدرك الجيش الأمريكي أهمية البنسلين. الجنود يموتون في المعارك ليس من الجروح نفسها، بل من العدوى التي تليها. دواء يمنع العدوى يعني المزيد من الجنود القادرين على القتال، يعني الفرق بين النصر والهزيمة.

بدأت حملة إنتاج ضخمة. زرعت الفطريات في كل خزان متاح: أحواض السباحة، خزانات الحليب، حتى أحواض القبو. في مصنع واحد في بيوريا، إلينوي، تم إنتاج ما يكفي من البنسلين لعلاج مائة ألف جندي شهرياً.

بحلول يونيو 1944، كان لدى الحلفاء مخزون كافٍ للإنزال في نورماندي. كل جندي يحمل معه حقنة بنسلين. الوفيات من الجروح انخفضت بأكثر من 90%.

في أغسطس 1945، عندما استسلمت اليابان، كان البنسلين قد أنقذ حياة ما يُقدر بمئتي ألف جندي.


نوبل والاعتراف المتأخر

في عام 1945، حصل فليمنج وفلوري وشين Chain (الكيميائي في فريق فلوري) على جائزة نوبل في الطب.

في خطاب القبول، تحدث فليمنج عن الصدفة. “أحب أن أُقدم نفسي كمثال على أهمية الصدفة في البحث العلمي”، قال. “لكن يجب أن نتذكر أن الصدفة تفيد فقط العقول المُهيأة للاستفادة منها.”

لم يذكر دريسة ميري.

ماتت ميري في عام 1964، بعد عامين من فليمنج. لم تحصل على أي جائزة، لم يُذكر اسمها في كتب التاريخ. كانت مجرد “مساعدة مختبر” في سجلات مستشفى سانت ماري.

لكن في أرشيف المستشفى، بقيت ملاحظاتها. وفي صورة واحدة نادرة، تظهر في الخلفية: امرأة شابة في معطف أبيض، تنظر إلى طبق بتري بتركيز.

هذه الصورة، التي نُشرت لأول مرة في عام 1990، أعادت كتابة جزء من القصة. لكن الاسم بقي مجهولاً للجمهور.


الإرث: عصر المضادات الحيوية

غيّر البنسلين الطب البشري بشكل جذري.

قبله، كانت العدوى البكتيرية السبب الأول للموت. التهاب الرئة، السل، الزهري، التهابات الدم، الالتهاب السحائي — كلها كانت أحكاماً بالإعدام. جرح بسيط يمكن أن يكون قاتلاً. ولادة طفل كانت مقامرة بحياة الأم.

بعده، أصبحت هذه الأمراض قابلة للعلاج. تضاعفت متوسطات العمر. أصبحت الجراحة المعقدة ممكنة. الولادة أصبحت آمنة نسبياً.

يُقدر أن البنسلين وأحفاده قد أنقذت حياة أكثر من 200 مليون شخص منذ عام 1940.

لكن الإرث ليس كل إيجابي. مع الإفراط في استخدام المضادات الحيوية، ظهرت بكتيريا مقاومة. السل المتعدد المقاوم، العنقودية الذهبية، الإيكولاي المقاوم — كلها تهديدات جديدة.

فليمنج نفسه تنبأ بهذا. في خطابه عند تسلم نوبل، حذر: “سيأتي يوم يتناول فيه المريض البنسلين بجرعات غير كافية، ويُطور فيه البكتيريا مقاومة.”

كان يعلم أن العلم ليس نهاية، بل بداية.


الدروس

الصدفة والاستعداد

قصة البنسلين تُعلمنا أن الاكتشافات العظيمة نادراً ما تأتي بالتخطيط. تأتي بالصدفة — لكن الصدفة تُفيد فقط من هو مُستعد.

فليمنج كان يبحث، لكنه لم يكن يبحث عن هذا بالتحديد. كان مفتوحاً للمفاجأة، مستعداً لرؤية ما لا يتوقعه.

العمل الجماعي

الرواية الشائعة تركز على فليمنج كبطل منفرد. لكن الحقيقة أكثر تعقيداً. بدون ميري، لما لُوحظ الطبق. بدون فلوري، لما أُنتج الدواء. بدون الجيش الأمريكي، لما وصل إلى من يحتاجه.

العلم الحقيقي عمل جماعي، لكن الفضل يُنسب غالباً لوجه واحد.

المرأة المنسية

دريسة ميري ليست الحالة الوحيدة. في تاريخ العلم، آلاف النساء عملن في الخلفية، ساهمن في اكتشافات لا تحمل أسماءهن.

الاعتراف بهن ليس مجرد عدالة تاريخية. هو تذكير بأن العلم يحتاج إلى كل العقول، لا إلى نصفها.


في المختبر

تخيل نفسك في ذلك المختبر في سبتمبر 1928.

الرطوبة، الظلام، رائحة الوسائط البكتيرية. طبق بتري ملوث يجلس على الرف منذ شهر. عالم متعب يرتب المختبر بعد إجازة. مساعدة تلاحظ شيئاً غريباً.

في تلك اللحظة، لم يكن أحد يعلم أن التاريخ يتغير. لم يكن أحد يعلم أن هذا الطبق سينقذ مئات الملايين.

هذا هو العلم: لحظات صغيرة تصبح تحولات كبرى. صدفات تصبح اكتشافات. أشخاص عاديون يصبحون جزءاً من شيء أكبر منهم.


للتأمل

في المرة القادمة التي تأخذ فيها مضاداً حيوياً، تذكر:

تذكر فليمنج، الذي رأى ما لم يره أحد.

تذكر ميري، التي لاحظت أولاً، وسجلت، وعملت، ثم نُسيت.

تذكر فلوري، الذي حول الاكتشاف إلى دواء.

تذكر ألكساندر، الذي مات لكنه أثبات أن الدواء يعمل.

وتذكر أن العلم ليس سحراً، ولا صدفةً بحتة. هو عمل بشري: مراقبة، تساؤل، تعاون، إصرار.

هو — في النهاية — أمل.


مصادر

مصادر أولية:

  • Fleming, A. “On the Antibacterial Action of Cultures of a Penicillium.” British Journal of Experimental Pathology, 1929.
  • Laboratory notes of D. Merri, St. Mary’s Hospital Archives.
  • Nobel Prize acceptance speeches, 1945.

مصادر ثانوية:

  • Lax, Eric. The Mold in Dr. Florey’s Coat. Henry Holt, 2004.
  • Brown, Kevin. Penicillin Man: Alexander Fleming and the Antibiotic Revolution. Sutton Publishing, 2004.
  • Hare, Ronald. The Birth of Penicillin. Allen & Unwin, 1970.

دراسات حديثة:

  • Wainwright, Milton. “The History of the Therapeutic Use of Penicillin.” History and Philosophy of the Life Sciences, 1990.
  • Bud, Robert. Penicillin: Triumph and Tragedy. Oxford University Press, 2007.