مأزق الأخلاق في العصر الرقمي: ماذا تفعل حين تتلطخ منصات القراءة بالخطايا؟

في عالمنا الرقمي المعاصر، يواجه عشاق الكتب والكُتّاب على حد سواء معضلة أخلاقية يومية قاسية؛ إذ لم تعد هناك منصات، أو دور نشر، أو متاجر نقية تماماً من الشوائب. إن محاولة “الاستهلاك الأخلاقي” في هذا العصر تبدو كالسير في حقل ألغام؛ حيث تجد نفسك محاصراً بين نار المبادئ وواقع الاحتياجات، في معادلة خاسرة دائماً تشعرك بالذنب سواء اتخذت موقفاً أم وقفت مكتوف الأيدي.

الخلاصة هي: نحن نعلم أن الاستهلاك النقي تماماً مستحيل، لكننا لا زلنا نحاول البحث عن الخيار “الأقل سوءاً”.

1. وهم الكيانات البريئة وتناقضات رأس المال

تتجلى هذه المعضلة بوضوح في صناعة الفعاليات الثقافية والكتب الصوتية. مؤخراً، رفع عدد من الكُتاب أصواتهم برسالة مفتوحة ضد “RELX”، الشركة الأم المنظمة لمعرض “BookCon” الشهير؛ والسبب؟ أن إحدى شركاتها التابعة تملك عقوداً بملايين الدولارات مع وكالة الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE) سيئة السمعة.

ورغم محاولات الشركة تبرير موقفها والادعاء باستقلاليتها، إلا أن الحقيقة التي عبرت عنها الكاتبة أليكس إي. هارو بوضوح هي: رأس المال سيختار دائماً عقوده المليارية مع الحكومات بدلاً من إرضاء قراء الكتب، لكن على الكُتاب أن يجبروهم على الاختيار.. “لا يمكنكم جني أموال القراء المثقفين، وفي ذات الوقت التربح من الأنظمة القمعية والفاشية”.

يمتد هذا التلوث إلى المنصات الكبرى مثل “سبوتيفاي” (Spotify) و”أوديبل” (Audible) التابعة لأمازون، اللتين تورطتا في بث إعلانات تجنيد لصالح ذات الوكالة (ICE). ورغم وجود بدائل أخلاقية نقية مثل (Libro.fm)، إلا أن الهيمنة السوقية تجبر حتى المتاجر المستقلة الساعية لمنافسة أمازون، على عقد شراكات مع عمالقة مثل سبوتيفاي للبقاء في حلبة المنافسة.

2. فخ منصات التواصل والصحافة

ينسحب هذا المأزق على منصات التواصل الاجتماعي والصحافة التي نعتمد عليها:

  • هجرة المنصات الملوثة: يضطر الكاتب أحياناً لاتخاذ قرارات صعبة، كالتخلي عن “تويتر” بعد استحواذ إيلون ماسك، أو سحب النشرات البريدية من “سباستاك” (Substack) لتربحها من نشر محتوى نازي ومتطرف. ورغم الانتقال إلى منصات أكثر التزاماً بالقيم مثل “بلو سكاي” أو “جوست” – حتى لو كلف ذلك خسارة جزء كبير من المتابعين – إلا أن الحاجة للوصول إلى الجمهور تجبرنا على البقاء في منصات أخرى تابعة لميتا (Meta)، رغم تحفظاتنا العميقة على سياسات زوكربيرج.
  • الصحافة بين المبادئ والولاء: في عالم الصحافة، نجد أنفسنا نلغي اشتراكاتنا في صحف عريقة مثل “واشنطن بوست” احتجاجاً على التدخلات السياسية لمالكها جيف بيزوس، ونشعر بوخز الضمير عند تجديد الاشتراك في مجلات مثل “ذا أتلانتيك” (The Atlantic) التي تنشر أحياناً مقالات مسيئة، فقط لأننا نود دعم قسمها الثقافي المتميز. نحن ندعم الصحافة المستقلة بحب، لكننا في الوقت ذاته لا نود رؤية المؤسسات الصحفية العريقة تنهار.

3. بصيص أمل: الضغط الجماهيري يصنع الفارق

وسط كل هذه التنازلات والمساومات الأخلاقية، يجب ألا ننسى أن المقاطعة والضغط العام يؤتيان ثمارهما حقاً.

خير دليل على ذلك هو ما شهدته منظمة “PEN America” (نادي القلم الأمريكي) المدافعة عن حرية التعبير؛ حيث أدت مقاطعة الكُتّاب للمنظمة، احتجاجاً على الموقف المتخاذل لإدارتها السابقة تجاه الإبادة الجماعية المستمرة في غزة، إلى استقالة إدارتها وتعيين قيادة جديدة دائمة. اليوم، تقف المنظمة على أرضية أصلب، متوافقة أيديولوجياً وأخلاقياً مع مبادئ أعضائها.

في النهاية؛ قد لا نتمكن من مقاطعة كل شركة لا ترفض الفاشية بشكل قاطع، وقد تستمر الفعاليات الكبرى كالمعتاد، ولكن من الضروري جداً أن نظل نرفع أصواتنا بالرفض. إن محاولة التعبير عن استيائنا المستمر هي معركتنا لعدم الاستسلام التام لشرور هذا العالم الرقمي.