بغداد، شباط ١٢٥٨
تخيّل نفسك واقفًا على ضفّة دجلة في صباحٍ شتويّ بارد. الجسر فوقك مكتظّ بالخيول والصواري. خلفك مدينةٌ كانت — حتى أمس — تُسمَّى «دار السلام». أمامك جيش هولاكو خان: عشرات الآلاف من المغول والأتراك والكُرد والأرمن، يحاصرون عاصمة الخلافة العبّاسية منذ ثلاثة عشر يومًا.
السماء صافية. النهر ليس صافيًا.
النهر أسود.
أسود من الحبر. حبر دواوين الحكمة، وحبر بيت الحكمة، وحبر مخطوطات الفقه والفلسفة والطبّ والفلك التي رماها الجنود — رزمةً رزمةً — في الماء. الرواية المتداولة تقول إنّ الكتب المغروقة كانت كثيفةً لدرجة أنّ خيل المغول عبرت على المخطوطات كما تعبر على جسر. هل هذا دقيقٌ حرفيًّا؟ ربّما لا. لكنّ ما يدهش ليس الدقّة، بل أنّ الذاكرة العربية اختارت — من بين كلّ صور الكارثة — هذه الصورة بالذات: ماءٌ يجري بالكتب.
في القصر، يجلس الخليفة المستعصم، آخر العبّاسيّين. تروي المصادر أنّ هولاكو، بعد أيّام، أَمَرَ بأن يُلَفَّ في بساطٍ ويُداس بالخيول حتى الموت. نوع الموت ليس صدفة: المغول لم يكونوا يسفكون الدمَ الملكيّ علنًا. لذلك يموت الخليفة من غير أن يُراق دمه ظاهرًا. تحت البساط، تنتهي خمسة قرونٍ من الحكم العبّاسيّ.
الناس في الأزقّة لا يفكّرون في خمسة قرون. الناس يجرون.
في الزحام، يفرّ شيخٌ يدعى نصير الدين الطوسيّ بمخطوطاته نحو مراغة شمال غربيّ إيران، فينقذ ما يمكن إنقاذه من علم الفَلَك العربيّ. آخرون يحملون رزمًا من الكتب على ظهورهم في طريق دمشق. تروي بعض المصادر أنّ عدد القتلى تجاوز مئتي ألف؛ تروي مصادر أخرى ثمانمئة ألف. الأرقام تتسرّب كما يتسرّب الحبر في النهر — لا أحد يعرف الحقيقة، لكنّ الجميع يعرف الإحساس. مدينةٌ كان فيها — قبل الغزو بربع قرن — أكثر من مليون نسمة، وأكبر مكتبة عرفها الإسلام، وأكثر من ثلاثين مدرسةً نظاميّة، صارت في أسبوع شيئًا آخر. ليست خرائب — بل ذاكرة خرائب.
— —
هذا المشهد ليس فريدًا. في صورٍ أخرى، بأسماءٍ أخرى، رأيناه. وسنراه. ندمغه في جسر بطرسبرغ ١٩١٧، وفي شوارع برلين ١٩٤٥، وفي ساحة التحرير ٢٠١١، وفي حلب ٢٠١٦.
السؤال الذي يُلقى عليك، عزيزي القارئ، ليس: هل وقعت بغداد؟ السؤال هو: لماذا، حين نروي ما حدث لنا في بغداد، نشعر أنّنا نروي ما يحدث لنا الآن؟
السؤال
«التاريخ يعيد نفسه». نقولها بثقة من يكرّر مَثَلًا شعبيًّا، بثقة من لا يحتاج إلى إثبات. نقولها حين تنفجر سيّارة في شارعٍ بيروتيّ عرفناه، وحين يهرب رئيسٌ على متن طائرة، وحين تسقط مدينة. نقولها بشيءٍ من الراحة الغريبة: إن كان كلّ هذا قد حدث من قبل، فربّما ليس على عاتقنا أن نفهمه — فقط أن نتحمّله.
غير أنّ الجملة، حين تُفحَص، أكثر إشكالًا ممّا تبدو.
التاريخ، حرفيًّا، لا يعيد نفسه. لا يمكن أن تقع غرناطة مرّتين، ولا أن يُلَفَّ المستعصم في بساطٍ آخر. كلّ لحظةٍ فريدة بأشخاصها وتقنيّاتها وأمزجتها. حين سقطت بغداد، لم يكن في يدها صحفٌ ولا تلفازٌ ولا منصّات. حين سقطت غرناطة، لم تكن لها دولةٌ مجاورةٌ تستقبل لاجئيها بالمعنى الحديث للدولة. حين انهار العثمانيون، انهاروا في حضارةٍ كانت قد بدأت تكتب رواياتها بنبرةٍ علمانيّة لم يكن ابن خلدون قد عرفها.
فكيف يعيد التاريخ نفسه إذا كانت كلّ سقطةٍ مختلفةً في تفاصيلها؟
الإجابة الدقيقة هي: لا يعيد. لكنّه ينسج. ليس تكرارًا، بل أنماطٌ تعود. والفرق بين الفكرتين هو الفرق بين قراءة كلّ سقطةٍ كحادثٍ معزول، وقراءتها كصفحةٍ من كتابٍ لم يُغلَق.
النمط ليس وصفة. النمط ليس قَدَرًا. النمط شيءٌ أكثر تواضعًا وأكثر إثارةً للقلق في آنٍ معًا: هو تكرار الشروط البنيويّة التي تسبق الكوارث الكبرى. حين تجتمع شروطٌ معيّنة — انقسامٌ داخليّ، إرهاقٌ ماليّ، نخبة عاجزة عن التكيّف، صدمة تقنيّة أو ديموغرافيّة، عدوّ خارجيّ يستثمر اللحظة — تنهار البنية. ليس لأنّ التاريخ كائنٌ ينتقم، بل لأنّ البنى المعقّدة، حين تتراكم عليها هذه الشروط، تنهار. كما ينهار الجسر تحت الحمل. كما ينقطع الحبل في النقطة الأرفع.
الأمم العربيّة، منذ سبعة قرون، تعيش هذا النمط بوضوحٍ مؤلم. وليست وحدها. لكنّها — لأسبابٍ سنفحصها — تعيشه بإيقاعٍ أكثف من غيرها.
العَدَسة
قبل أن نشاهد، علينا أن نتعلّم كيف نشاهد.
أربعةُ مفكّرين كبار، عبر ستّة قرون، حاولوا الإجابة عن السؤال نفسه: هل في التاريخ بنيةٌ متكرّرة؟
أوّلهم — وأقربهم إلينا — هو ابن خلدون، الذي كتب «المقدّمة» في تونس وفاس عام ١٣٧٧، أي بعد قرنٍ ومئةٍ وعشرين سنة من سقوط بغداد. ابن خلدون قال شيئًا بسيطًا وقاسيًا: الدول، كالأشجار، تكبر وتُثمر وتموت. الدورة عنده ثلاثة أجيال. الجيل الأوّل قبليّ، خشن، فيه «العصبيّة» — أي ذلك الإحساس الجَمعيّ الذي يجعل الجماعة تموت من أجل بعضها. الجيل الثاني يتمدّن: يبني المدن، يجمع الضرائب، يكتب الشعر. الجيل الثالث يَترَف: يستهلك ما بنى أجداده، تتحلّل عصبيّته، ويصبح فريسةً لقبيلةٍ أحدث. ثلاثة أجيال. مئةٌ وعشرون سنة تقريبًا. ثمّ تبدأ القصّة من جديد، مع أبطالٍ آخرين.
ثانيهم: جامباتيستا فيكو، الإيطاليّ المنسيّ، الذي نشر «العلم الجديد» في نابولي عام ١٧٢٥. فيكو قال إنّ التاريخ يتحرّك في حلقةٍ، لكنّها لولبيّة. كلّ دورةٍ تشبه التي قبلها، لكنّها تقع في موقعٍ أعلى أو أدنى من اللوحة. سمّى ذلك corso e ricorso — الجَريان والعودة. وزعم أنّ كلّ حضارةٍ تمرّ بثلاثة أعمار: عصر الآلهة، عصر الأبطال، عصر الناس. ثمّ ينهار البناء، فتعود الجماعة إلى البداية، لكنّها لا تبدأ تمامًا حيث بدأت أوّل مرّة.
ثالثهم: كارل ماركس. في كرّاسٍ صغير عن انقلاب لويس بونابرت في فرنسا، نشره عام ١٨٥٢، كتب جملةً صارت من أكثر جمل القرن التاسع عشر اقتباسًا: «كلّ الوقائع الكبرى للتاريخ العالميّ تحدث، بشكلٍ ما، مرّتين. هيغل نسي أن يُضيف: المرّة الأولى مأساة، والمرّة الثانية مهزلة». ماركس لم يكن يقصد أنّ التاريخ يُكرَّر بدقّة. كان يقصد أنّ المحاولات المتأخّرة لاستعادة عظمةٍ ماضيةٍ تأتي مفرغةً من جوهرها، شبيهةً بكاريكاتور.
رابعهم: أرنولد توينبي، البريطانيّ، الذي كتب اثني عشر مجلّدًا بين ١٩٣٤ و ١٩٦١ بعنوان «دراسة في التاريخ». نظريّته: الحضارات لا تموت بالقتل، بل بالانتحار. الحضارة تواجه «تحدّيًا» — مناخيًّا، عسكريًّا، فكريًّا — فتستجيب بنخبةٍ مبدعة. حين تعجز النخبة عن الاستجابة، تنهار الحضارة من داخلها قبل أن ينهيها أيّ غازٍ من خارجها.
ثمّ هناك خامسٌ، أكثرهم عَتمةً: أوزوالد شبنغلر. كتب «أُفُول الغرب» في برلين أثناء الحرب الكبرى، ونشر مجلّده الأوّل عام ١٩١٨. لشبنغلر رؤيةٌ بيولوجيّة قاسية: الحضارة كائنٌ حيّ، لها طفولةٌ وشبابٌ ونضجٌ وشيخوخة. ولا مفرّ من الشيخوخة. الغرب — برأيه — كان يدخل دور الشيخوخة عام ١٩١٨. كثيرون من قرّائه وَجَدوا في ذلك تنبّؤًا أكيدًا؛ آخرون وجدوه تشاؤمًا أعمى. لكنّ ما يهمّنا في شبنغلر ليس صحّة تنبّؤه — بل أنّه طرح السؤال بصرامة: ماذا لو كانت الحضارات، فعلًا، تموت كما يموت الكائن الحيّ، ولا فكاك؟
أربع نظريّات. خمس رؤى — إذا أَضَفنا شبنغلر. تختلف في تفاصيلها، لكنّها تتّفق على شيءٍ أساسيّ: في صعود الحضارات وانهيارها بنيةٌ يمكن قراءتها. ليست لعنة. ليست عدالةً كونيّة. بنية.
والبنية، كما يعرف كلّ مهندس، يمكن أن تصمد. ويمكن أن تنهار. ويمكن — وهذا هو الأمل الوحيد — أن تُعاد كتابتها.
عالم الأنثروبولوجيا الأمريكيّ جوزيف تَينتر، في كتابٍ ثقيل عنوانه «انهيار المجتمعات المعقّدة» (١٩٨٨)، أَضاف على هذه الرؤية تفسيرًا يستحقّ التأمّل: المجتمعات تنمو في التعقيد — أكثر بيروقراطيّة، أكثر خبراء، أكثر مؤسّساتٍ — لأنّها تجد في التعقيد حلولًا لمشاكلها. لكنّ التعقيد له كلفةٌ تتزايد. تأتي لحظةٌ يصبح فيها الجهدُ المطلوبُ لإدارة النظام أكبر من فائدته. عندئذٍ، يبدأ النظام في التبسيط القسريّ — أي الانهيار. لا انتقامًا، بل تَوازُنًا. حضارةٌ في غايتها، كما هي في بدايتها، تبحث عن أقلّ كلفةٍ ممكنة للبقاء.
ثلاث سَقَطات عربيّة
لنفحص ثلاث لحظات. مفصولاتٍ بقرون. متّحداتٍ بِنيةً.
الأولى: بغداد، ١٢٥٨.
عند مجيء هولاكو، لم تكن الخلافة العبّاسية بتلك القوّة التي تروّجها لنا كتب المدارس. كانت قد فقدت سيطرتها الفعليّة على معظم الأراضي قبل الغزو بقرنين. السلاجقةُ ثمّ الفاطميّون ثمّ الأيّوبيّون كانوا يحكمون فعليًّا. الخليفة في بغداد كان أقرب إلى رمزٍ دينيّ منه إلى حاكم. الخزينة فارغة. الجيش هزيل. الإدارة منقسمةٌ بين مذاهبَ يكفّر بعضها بعضًا. حين جاء هولاكو، لم يجد دولةً ليُسقطها. وجد قوقعةً ليكسرها.
هذا هو النمط الذي سنرى تكراره: انقسامٌ داخليّ + إرهاقٌ ماليّ + نخبةٌ عاجزة + صدمةٌ خارجيّة = انهيار. المغول لم يكونوا السبب. كانوا الحَدَث الذي كَشَفَ ما كان مكتومًا.
الثانية: غرناطة، ٢ كانون الثاني ١٤٩٢.
بعد سقوط بغداد بقرنَين ونصف، وفي الطرف الآخر من العالم العربيّ، كان آخر ملوك بني الأحمر، أبو عبد الله الصغير، يسلّم مفاتيح الحمراء للملِكَين الكاثوليكيّين فرناندو وإيزابيلا. الأسطورة تقول إنّ أمّه عائشة الحرّة قالت له، وهو يبكي على آخر تلّةٍ يرى منها غرناطة: «ابكِ كالنساء مُلكًا لم تحفظه كالرجال». الأسطورة قد تكون مُلَفَّقة — لا يثبتها المؤرّخون من الأمويّين ولا الإسبان من معاصري الحدث. لكنّ ما يثبت هو هذا: الأندلس، التي عاشت ثمانية قرون، انهارت — لا في معركةٍ واحدة — بل في قرنين من التفتّت بين ملوك الطوائف، الذين كانوا يستعينون بالصليبيّين بعضُهم على بعض.
هل تذكر النمط؟ انقسامٌ داخليّ + نخبةٌ عاجزةٌ عن التوحّد + قوّةٌ جديدةٌ صاعدة (الممالك الإسبانيّة) تستثمر اللحظة. النمط ذاته. السيناريو نفسه. اللاعبون مختلفون.
الثالثة: من سايكس‑بيكو إلى الراهن.
في ١٦ أيّار ١٩١٦، بينما كانت الدولة العثمانيّة تنزف في الحرب الكبرى، وقّع دبلوماسيّان — البريطانيّ مارك سايكس والفرنسيّ فرانسوا جورج بيكو — اتّفاقًا سرّيًا يقتسم الولايات العربيّة العثمانيّة بين بلديهما. الحدود التي رسماها على خريطة، بقلمٍ أزرق وآخر أحمر، هي إلى حدٍّ كبير الحدود التي تعيش فيها اليوم. سوريا. العراق. الأردنّ. لبنان. فلسطين.
ما تبع ذلك معروف: نَكبة ١٩٤٨، نَكسة ١٩٦٧، حروبٌ أهليّة في لبنان والجزائر وسوريا واليمن، انقلاباتٌ متعاقبة، احتلالٌ للعراق، انفجار ٢٠١١ ثمّ ارتداده، وموجةٌ جديدة من الهجرة الجماعيّة لم يشهد العالم العربيّ مثلها منذ ١٤٩٢.
ولكنّ ما يدهش ليس عدد الكوارث. ما يدهش هو بنيتها المتطابقة. في كلّ مرّة: نخبةٌ سياسيّة مشغولة بصراعاتها الداخليّة. اقتصادٌ ريعيّ هشّ. مؤسّساتٌ لا تتجدّد. صدمةٌ خارجيّة (أوروبيّةٌ في القرن العشرين، أمريكيّةٌ في الواحد والعشرين، روسيّةٌ وإيرانيّةٌ وتركيّة في الراهن). نتيجةٌ واحدة: تَفَتُّتٌ يفوق ما يستطيع الجسد السياسيّ احتماله.
افحص الأرقام لحظةً، فالأرقام لا تكذب على من يُصغي. أكثر من ثلاثة عشر مليون لاجئٍ سوريّ منذ ٢٠١١، أي قرابة نصف عدد سكان البلد. يَمَنٌ يعيش أسوأ كارثةٍ إنسانيّةٍ في القرن. عراقٌ خسر منذ ٢٠٠٣ ما يزيد على نصف مليون نَفس. لبنانُ في انهيارٍ ماليٍّ يَضع تجربته بين أعمق ثلاث انهياراتٍ ماليّة في العالم منذ منتصف القرن التاسع عشر، بحسب البنك الدوليّ. سودانٌ يتشظّى في حربٍ أهليّةٍ جديدة. ليبياتان لا ليبيا واحدة. حكومتان في فلسطين. حكومتان في اليمن. الصورة كأنّها مُعاد تركيبها من شظايا غرناطة وبغداد، ثمّ مُلوَّنةٌ بألوانٍ أكثر حدّة.
ليس هذا تعدادًا للأوجاع. هذا تشخيصٌ بنيويّ. حين تتفتّت الدولة المركزيّة، تنشأ كياناتٌ موازيةٌ — ميليشياتٍ، مذاهبَ مسلّحة، دويلاتٍ صغيرة — تأخذ مكانها بقوّة الفراغ، لا بقوّة الشرعيّة. وهذه الكياناتُ، كما في عصر ملوك الطوائف، لا ترى مصلحتها في إعادة بناء المركز؛ ترى مصلحتها في إطالة الفراغ. والفراغ، كما يعلّمنا التاريخ، يدعو القادمين من بعيد.
ابن خلدون، لو قُدِّر له أن يقرأ صحيفةً عربيّةً اليوم، لن يحتاج إلى تعديل نظريّته. سيحتاج فقط إلى تحديث الأسماء.
أمم أخرى عاشت الدورة
هل النمط عربيٌّ خالص؟
كلّا. وهذا أهمّ ما يجب قوله، لئلّا يتحوّل الفحص إلى جَلْدٍ للذات.
روما. في ٢٤ آب من عام ٤١٠ ميلاديًّا، دخل الزعيم القوطيّ ألاريك إلى روما، وللمرّة الأولى منذ ثمانية قرون، نُهِبَت العاصمة. المعاصرون شعروا أنّ السماء تنهار. القدّيس جيروم كتب من بيت لحم رسالةً موجوعة، يقول فيها — في ما معناه — إنّ نور العالم قد انطفأ. لكنّ روما لم تسقط لأنّ القوط أقوى. سقطت لأنّها — منذ قرنٍ — كانت قد تآكلت من الداخل: تضخّمٌ نقديّ، فسادٌ إداريّ، نخبةٌ منعزلة في الضِياع، عبورٌ ديموغرافيّ، تشظٍّ مذهبيّ بين المسيحيّين الجدد والوثنيّين القدامى. حين كتب إدوارد جيبون «اضمحلال الإمبراطوريّة الرومانيّة وسقوطها» (بين ١٧٧٦ و ١٧٨٩)، خصّص ستّة مجلّدات لتفصيل ما يمكن تلخيصه في جملةٍ واحدة: روما لم تُقتَل، روما تنازلت.
أسرة مينغ. عام ١٦٤٤، انتحر آخر أباطرة مينغ، تشونغ‑جين، شنقًا على شجرةٍ قرب القصر الإمبراطوريّ في بكين. لم يكن العدوّ في الأبواب وحسب. كان داخل المدينة. ثلاثة قرون من الحكم انتهت، ليس لأنّ المانشو كانوا أعتى. بل لأنّ مينغ كانت قد أنهكت نفسها: فيضاناتٌ لم تُعالَج، خزينةٌ مُستنزَفة في حروبٍ ضدّ اليابان، فسادٌ بيروقراطيّ، ومجاعاتٌ متلاحقة جعلت الفلّاحَ الصينيّ يُفضّل أن يُحكَم بأجنبيٍّ على أن يُحكَم بإمبراطورٍ من جنسه.
الاتّحاد السوفييتيّ. في ٢٥ كانون الأوّل ١٩٩١، أُنزِل العَلَم الأحمر عن قبّة الكرملين. ولا قنبلةً سقطت، ولا غازيًا دخل. الإمبراطوريّة الثانية في العالم انحلّت من تلقاء نفسها. السبب؟ الإرهاق نفسه: اقتصادٌ خطّط أكثر ممّا يُنتج، نخبةٌ لا تؤمن بشعاراتها، حروبٌ على أطراف الإمبراطوريّة (أفغانستان)، نُخَبٌ من الجمهوريّات تطالب بحصّتها من الكعكة. سقط الاتّحاد كما يسقط شجرٌ مُسوَّس: من غير أن تلمسه ريح.
والدولة العثمانيّة، بين هذا وذاك. الإمبراطوريّة التي حملت رايةَ الإسلام السنّيّ ستّة قرون، والتي حكمت من فيينا إلى البصرة، انهارت في ثلاثة عقودٍ بين ١٨٧٦ و ١٩٢٢. لم يكن السبب وحيدًا. كان ضعفًا اقتصاديًّا (ديونٌ مزمنة لِلّمراصِف الأوروبيّة، إفلاسٌ رسميّ عام ١٨٧٥)، وضعفًا عسكريًّا (الهزيمة في الحرب الكبرى)، وانفصامًا بين النخبة العسكريّة في إسطنبول والشعوب التي تحكمها في الأطراف. حين سقطت، لم تترك بنيةً تخلفها — تركت فراغًا. وهذا الفراغ، أكثر من سايكس‑بيكو نفسه، هو ما يُفسّر القرن العربيّ الذي تلا.
أربع حضارات إذًا. لا ثلاث. أربعة قرون مختلفة. أربع جغرافيّات. لكن بِنيةٌ واحدة. حين تجتمع شروط الانهيار، تنهار. ومن لا يقرأ النمط، يُكرّره.
التاريخ ليس قَدَرًا
لكن قبل أن نُقفل الكتاب على هذا الاستنتاج المظلم، علينا أن نقول الجملة الأخرى. الجملة التي يكرهها كلّ من يحبّ أن يُريح نفسه بالمظلوميّة:
ليس كلّ الأمم تتبع النمط حتى نهايته.
في صباح ٨ أيّار ١٩٤٥، استيقظت ألمانيا على ركام. مدنٌ بأكملها مسحوقة. اقتصادٌ منهار. ستّة ملايين قتيل من جانبٍ واحد، عشرات الملايين من الجانب الآخر. الأمّة التي كتبت بيتهوفن وغوته ودافعت عن ذاتها بأنّها مهد الفلسفة الحديثة، استيقظت لتكتشف أنّها كانت قد ارتكبت أعظم جرائم القرن في حقّ الإنسان. ابن خلدون، لو قرأ المشهد، لقال: هذه أمّةٌ في طور الانحدار. الجيل الرابع. النهاية.
لكنّ ألمانيا فعلت شيئًا غريبًا. أعادت كتابة عقدها الاجتماعيّ. اعترفت. حاسبت. بنت دستورًا — «القانون الأساسيّ» (Grundgesetz) عام ١٩٤٩ — قاسيًا على ذاتها قبل أن يكون قاسيًا على غيرها. خصّصت موادّ بأكملها لتقييد سلطة الدولة، لئلّا يُكرَّر أيّ هتلرٍ آخر. أَدخلت في مناهجها التعليميّة مفهوم Vergangenheitsbewältigung — أي «التعامل مع الماضي» — بحيث صار جيلٌ كاملٌ من التلاميذ يدرس شناعة ما فعله أجدادهم، لا كفخرٍ مُلتبس، بل كعبءٍ يجب فهمُه ليُتجاوز. وفي خمسةٍ وسبعين عامًا، لم تَعُد ألمانيا التي عرفها هتلر. صارت ألمانيا التي تعرفها أنغيلا ميركل.
اليابان فعلت شيئًا مشابهًا بعد هيروشيما. كوريا الجنوبيّة، التي كانت في عام ١٩٦٠ أفقر من غانا، صارت في العقد الراهن موطن سامسونغ وهيونداي وظاهرة ثقافيّة عالميّة لا يُستهان بها. سنغافورة، التي كانت قريةَ صيّادين في عام ١٩٦٥ حين طُرِدَت من الفدراليّة الماليزيّة، صارت أحد أعلى دخول الفرد في العالم.
كيف؟
ليس بإلغاء النمط — بل بِفَهمِه. النخبة في هذه البلدان قرأت تاريخها قراءةً قاسية، عيّنت لحظات السقوط بأسمائها، وقرّرت ألّا تكرّرها. لم تُنكر النمط؛ بل أمسكت به وأعادت تشكيله.
«هذا ميسورٌ لها لأنّها لم تكن ضحيّة الاستعمار»، يقول قائل. هذا غير دقيق. كوريا كانت مستعمَرةً يابانيّةً لأربعين عامًا، وعرفت قسوةً تُماثل أو تفوق ما عرفته شعوبٌ عربيّة. سنغافورة كانت مستعمَرةً بريطانيّة. ألمانيا كانت محتلّةً من الحلفاء بعد ٤٥. فيتنام، التي كثيرًا ما تُنسى في المقارنات، خاضت حربين استعماريّتين متعاقبتين — ضدّ فرنسا ثمّ ضدّ الولايات المتّحدة — ثمّ تحوّلت في ثلاثة عقود إلى أحد أسرع اقتصادات آسيا نموًّا. أيرلندا، التي كانت في القرن التاسع عشر معدنًا للمجاعة والهجرة الجماعيّة، صارت مع نهاية القرن العشرين «النَّمِر السلتيّ». الاستعمار سببٌ مُهمّ — لكنّه ليس قَدَرًا.
ما يميّز هذه الأمم ليس عدم وجود نمط، بل القدرة على رؤية النمط من خارجه. أن تنظر إلى تاريخك لا كقدرٍ حلّ بك، بل كنصٍّ كتبه أناسٌ مثلك، ويمكن لأناسٍ مثلك أن يعيدوا كتابته.
النمط، إذن، ليس قَدَرًا. إنّه احتمالٌ راجح. واحتمالٌ راجح يمكن، بجهدٍ هائل، أن يُكسَر.
ما يبقى
عُد إلى دجلة الآن. النهر لا يزال يجري. الحبر الذي أُلقي فيه عام ١٢٥٨ ذابَ في الماء، وذهب الماء إلى الخليج، وعاد إلى السماء مطرًا، ونزل في نهرٍ آخر. الكتب التي حملتها الجدّاتُ من غرناطة عام ١٤٩٢ صارت مخطوطاتٍ في فاسٍ وتطوان واسطنبول. الحدود التي رسمها سايكس وبيكو لم تَزُل، لكنّها فقدت قدسيّتها في ضمائر شعوبها. هذا أيضًا جزءٌ من النمط: لا شيء، حتى الكارثة، يبقى على حاله.
السؤال الذي بدأنا به — هل التاريخ يعيد نفسه؟ — كان سؤالًا خاطئًا بشكلٍ ما. التاريخ لا يعيد نفسه؛ التاريخ ينسج. لكنّه ينسج بِنُولَين متشابهَين. والذي يتعلّم قراءة النول، يعرف متى يخرج من الخيط قبل أن يُعقد.
نسبت العامّة في الغرب جملةً مشهورة إلى مارك توين: «التاريخ لا يُكرّر نفسه، لكنّه كثيرًا ما يَتَقَفّى». لا يوجد دليلٌ موثّق على أنّ توين قال هذه الجملة فعلًا — لكنّ الجملة مع ذلك صحيحة. وفي صحّتها — لا في صاحبها — العبرة. التاريخ يقفّي بإيقاعاتٍ نَعرفها لو أصغينا. وبَنُو البشر، في كلّ مكان، كثيرًا ما يفضّلون ألّا يُصغوا.
الحال العربيّ اليوم — من بحر العرب إلى المحيط الأطلسيّ — يعيش الفصل الذي كتبه ابن خلدون قبل ستّمئةٍ وخمسين عامًا. الانقسامات المذهبيّة. الإرهاق الماليّ. النخبة المعزولة. الصدمة الخارجيّة. الكلّ هنا، في الصورة. وكلّ من يفتح صحيفةً صباح اليوم يرى المشهد نفسه يتكرّر بأسماءٍ مختلفة.
لكنّ أن نرى النمط ليس استسلامًا له. الأمم التي خرجت — ألمانيا، اليابان، كوريا، سنغافورة — لم تخرج لأنّها كانت محظوظة. خرجت لأنّها امتلكت الشجاعة الفكريّة لتقول لنفسها هذه الجملة الصعبة: ما يحدث لنا، حدث لغيرنا، وسيحدث لمن يأتي بعدنا، ما لم نكتب نهايةً مختلفة.
ما الذي فعلته هذه الأمم تحديدًا؟ ثلاثة أشياء بسيطة، يصعب تنفيذها لا تَخَيُّلها. أوّلًا: عيّنت لحظة الانهيار بأسمائها — هيروشيما، أوشفيتز، الحرب الكوريّة — وجعلت من تلك اللحظة محورَ الذاكرة الوطنيّة، لا تجاوُزَها. ثانيًا: بَنَت مؤسّساتٍ مدنيّةً صلبة (دساتير، محاكم، نقابات، صحافة) قادرةً على البقاء بمعزلٍ عن من يحكم. ثالثًا: استثمرت في التعليم بقدرٍ يفوق ما يبدو ضروريًّا — لأنّ التعليم وحده هو الذي يُنتج الجيلَ القادر على قراءة النمط، لا تكراره.
لا شيء من هذه الثلاثة فلسفيّ. كلّها سياسيّ. كلّها ممكن. وكلّها يحتاج قرارًا قبل أن يحتاج موارد.
هذه الشجاعة — لا الأمل الساذج ولا اليأس المريح — هي ما ينقص.
التاريخ لا يعيد نفسه. نحن نُعيده. حين ننسى أنّنا كتبنا الفصل السابق بأيدينا.
— —
مصادر للاستزادة:
- ابن خلدون، المقدّمة (آخر القرن الرابع عشر).
- جامباتيستا فيكو، العلم الجديد (١٧٢٥).
- كارل ماركس، الثامن عشر من برومير لويس بونابرت (١٨٥٢).
- أرنولد توينبي، دراسة في التاريخ (١٩٣٤–١٩٦١).
- إدوارد جيبون، اضمحلال الإمبراطوريّة الرومانيّة وسقوطها (١٧٧٦–١٧٨٩).
- علي الوردي، منطق ابن خلدون في ضوء حضارته وشخصيّته.
جاريد دايموند، انهيار: كيف تختار المجتمعات الفشل أو النجاح (٢٠٠٥).