القرامطة: حين سُرق الحجر الأسود واختفى عشرين عاماً

في الحادي عشر من يناير عام 930، كانت مكة تفيض كعادتها بمئات الآلاف. حجّاجٌ من خراسان والمغرب واليمن يطوفون ويلبّون، لا يحمل أحدٌ منهم سلاحاً، لأنّ السلاح لا يُرفع في الحرم. وبينهم رجلٌ في الرابعة والعشرين يرتدي ثياب الإحرام كالجميع، لكنه يراقب ولا يتعبّد. اسمه أبو طاهر الجنّابي، ومعه رجالُه المتسلّلون في زيّ النسّاك.

ثم انقلب كل شيء في لحظة. سُلّت السيوف داخل المسجد الحرام، وتحوّل أعظم تجمّعٍ سلميّ في الأرض إلى مذبحة. لكنّ ما حدث في الأيام التالية لم يكن غارةً عابرة من قبيلةٍ طامعة في غنيمة. كان بياناً عقائدياً مكتوباً بالدم: إعلاناً بأنّ زمن الكعبة قد انتهى. ولفهم كيف وصل رجلٌ إلى قناعةٍ كهذه، علينا أن نعود عقوداً إلى الوراء، إلى صحراء شرق الجزيرة، حيث وُلدت واحدةٌ من أغرب الدول التي عرفها التاريخ الإسلامي.

دولةٌ وُلدت من فكرة

في أواخر القرن التاسع، كانت الدعوة الإسماعيلية تنتشر سرّاً في أطراف العالم الإسلامي، تحمل وعداً بمهديٍّ منتظَر سيأتي ليُقيم العدل ويُنهي ظلم الخلفاء. أحد دعاتها، رجلٌ يُدعى حمدان قرمط، نشط في سواد العراق جنوباً، وإليه نُسبت الحركة كلها: القرامطة.

أمّا الدولة الفعلية فقامت على يد داعيةٍ آخر، أبي سعيد الجنّابي، وهو من أصلٍ فارسيّ من بلدة جنّابة على ساحل فارس. حمل الدعوة إلى البحرين التاريخية — الإقليم الممتد على طول الساحل الشرقي للجزيرة، بين الكويت وعُمان اليوم — وأسّس هناك دولةً مستقلة عام 899، عاصمتها الأحساء. ومنذ البداية، رفض القرامطة سلطة الخلافة العباسية في بغداد، بل ورفضوا حتى الفاطميين الذين خرجوا من الرحم الإسماعيلي نفسه، إذ تمسّكوا بانتظار مهديٍّ لم يأتِ بعد، بينما أعلن الفاطميون أنّ مهديّهم قد جاء.

كانت هذه القطيعة المزدوجة — مع السنّة في بغداد، ومع الشيعة الإسماعيلية في القاهرة — هي ما منح القرامطة حرّيتهم المرعبة. لم يكونوا مدينين لأحد، ولم يخشوا تكفير أحد، لأنهم أصلاً اعتبروا الجميع على ضلال. وحين مات أبو سعيد، آلت القيادة بعد صراعٍ إلى ابنه أبي طاهر سليمان، الذي أزاح أخاه الأكبر ليمسك بزمام الدولة عام 923 وهو لا يزال في مطلع شبابه. كان شاباً جسوراً، عسكرياً بالفطرة، لا يَخشى أحداً، ولا يقدّس شيئاً ممّا يقدّسه الناس.

جمهوريةٌ في الصحراء

ما يجعل قصة القرامطة أعقد من حكاية قطّاع طرق، هو أنّ دولتهم في الأحساء كانت — في بعض وجوهها — تجربةً اجتماعية مدهشة. وصفها بعض المؤرخين المعاصرين بأنها أقرب إلى “جمهورية” قائمة على مبادئ مساواتية، حتى إنّ منهم من رآها شكلاً مبكّراً من “الاشتراكية” قبل أن تُولد الكلمة بألف عام.

لم يكن الحاكم القرمطيّ ملكاً مطلقاً، بل كان يحكم بالتشاور مع مجلسٍ من زعماء العشائر، يتّخذ القرارات الكبرى بالإجماع. أُعفي أهل الأحساء من الضرائب. ومن وقع في الدَّين أو الفقر، حصل على قرضٍ من الدولة بلا فائدة حتى يقف على قدميه. وكانت المعاملات المحلّية تجري بنقودٍ رمزية من الرصاص، بينما تُجمَع عائدات المزارع الكبرى لصالح الجماعة. حتى إنّ عملةً قرمطية سُكّت نحو عام 920 ظلّت متداولةً في المنطقة حتى مطلع القرن العشرين. وكانوا يميلون إلى التقشّف في الطعام حتى عُرفوا بـ”البقليّة” لزهدهم في اللحم.

في العمق العقائدي، آمن القرامطة بأنّ لكلّ نصٍّ ظاهراً وباطناً، وأنّ الشعائر مجرّد رموزٍ تشير إلى حقائق أعلى. ومن رأى أنّ الطقس مجرّد رمز، يسهل عليه أن يستهين به حين يظنّ أنّ زمن الرموز قد انتهى. هنا تحديداً يكمن مفتاح ما سيفعلونه لاحقاً في مكة.

لكن خلف هذه الواجهة المضيئة، كانت تقبع حقيقةٌ مظلمة. هذه “اليوتوبيا” المساواتية لم تَقُم على سواعد أبنائها، بل على سواعد العبيد. فبحسب ما دوّنه الرحّالة الفارسي ناصر خسرو، الذي زار الأحساء عام 1051، كانت مزارع القرامطة الشاسعة يفلحها نحو ثلاثين ألفاً من الأرقّاء الأفارقة. المساواة، إذن، كانت امتيازاً للأحرار وحدهم، تُموّله عبوديةٌ جماعية واسعة. وهذه المفارقة — مجتمعٌ يحلم بالعدل ويبنيه على الظلم — تظلّ من أعمق ما في حكايتهم، ومن أكثر ما يجعلها عصيّةً على حكمٍ أخلاقيّ بسيط.

تصاعد الغارات

لم يولد العنف القرمطيّ فجأةً في مكة. كان قد تصاعد عبر سنوات، كأنّ الدولة الفتيّة تختبر حدود قوّتها وحدود صبر بغداد معاً. وكانت الخلافة العباسية في تلك الحقبة دولةً منهَكة. فبعد قرنٍ ونصف من المجد، تآكلت سلطة الخليفة من الداخل، وتناهبها القادة العسكريون والوزراء، وانفصلت عنها أقاليم بأكملها لتحكمها أسرٌ محلّية. كان مركز العالم الإسلامي يفقد قبضته على أطرافه، فبدت دولةٌ ناشئة في صحراء الشرق قادرةً على تحدّيه دون عقاب.

في عام 923 أغار القرامطة على البصرة. وفي العام التالي، نصبوا كميناً لقافلة حجٍّ عائدة من مكة، فهزموا حرسها المسلّح بقوةٍ قوامها نحو ألفٍ وثمانمئة مقاتل، وأسروا قائد الحرس نفسه. ثم جاء عام 927، فدخلوا الكوفة وهزموا جيشاً عباسياً أُرسل لردعهم. وفي 928، وصلوا إلى أسوار بغداد ذاتها، عاصمة الخلافة، فهدّدوها قبل أن يعجزوا عن اقتحامها، فاكتفوا بنهب ما حولها من العراق.

كل غارةٍ من هذه كانت تقول الشيء نفسه بصوتٍ أعلى: لا أحد يحمينا، ولا أحد يردعنا. وبحلول 928، حدث شيءٌ غيّر كل شيء في رأس أبي طاهر. اقتنع بأنّ المهديّ الموعود، الذي ينتظره القرامطة منذ تأسيسهم، قد ظهر أخيراً في شخص شابٍّ فارسيّ يُدعى أبا الفضل الأصفهاني. ومن يؤمن بأنّ زمن المهديّ قد حلّ، يؤمن تلقائياً بأنّ الشرائع القديمة قد بطلت، وأنّ الرموز القديمة صار يجوز تحطيمها. فما قيمة الكعبة إن كان عهدها قد انتهى؟

يوم الحرم الدامي

اختار أبو طاهر موسم الحجّ بدقّةٍ قاتلة. ففي ذلك الموسم تكون مكة في أوجّ ازدحامها، وأهلها وضيوفها عُزّلٌ تماماً. دخل رجاله المدينة في زيّ الحجّاج، يؤدّون المناسك ظاهرياً، حتى إذا اطمأنّ الناس إليهم، انقضّوا.

استمرّ النهب أكثر من أسبوع. قُتل آلاف الحجّاج وتُركت جثثهم في الأزقّة بلا دفن، وسِيق آلافٌ آخرون إلى الأسر. نُهبت كنوز الكعبة، وانتُزعت كسوتها وحُليّها. لكنّ أبشع ما فعلوه كان ببئر زمزم: ملؤوها بالجثث حتى طمروها، كأنهم أرادوا أن يقتلوا قداسة المكان لا أهله فحسب.

وفي ذروة الفوضى، أمر أبو طاهر بأن يُخلع الحجر الأسود من ركن الكعبة. الحجر الذي قبّله النبيّ، وطاف حوله المسلمون ثلاثة قرون، فُصل عن مكانه وحُمل على ظهر بعيرٍ متّجهٍ شرقاً عبر صحراء نجد إلى الأحساء. خرج من مكة، ولم يعرف أحدٌ أنه لن يعود قبل أن يكبر جيلٌ كامل ويشيب.

ما هو الحجر الأسود؟

ليُدرك القارئ هول ما جرى، لا بدّ أن يعرف ما الذي حُمل على ذلك البعير. الحجر الأسود حجرٌ داكن مثبَّت في الركن الشرقي من الكعبة، على ارتفاعٍ يناهز المتر ونصف المتر من الأرض. في المعتقد الإسلامي، يعود أصله إلى زمن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، ويتبرّك المسلمون بتقبيله أو الإشارة إليه في كل شوطٍ من أشواط الطواف، اقتداءً بالنبيّ محمد. هو ليس معبوداً يُعبد، لكنه أقرب نقطةٍ مادّية يلمسها الحاجّ في رحلةٍ روحية خالصة، وهذا تحديداً ما يجعل غيابه فادحاً في القلب قبل أن يكون فادحاً في الحجر.

ولم تكن تلك أول محنةٍ يمرّ بها. ففي عام 683، خلال حصار مكة في حربٍ أهلية مبكّرة، قُذفت الكعبة بالمنجنيق، فأصاب الحجرَ ما أصابه من الكسر والنار. كان قد عرف الشقوق قبل أن يعرف السرقة. لكنّ أن يُنتزع كاملاً ويُحمل إلى الطرف الآخر من الجزيرة، فذلك ما لم يَخطر لأحدٍ أنه ممكن أصلاً.

لماذا الحجر بالذات؟

لو أراد أبو طاهر مالاً، لاكتفى بكنوز الكعبة وانصرف. لكنه أراد ما هو أثمن من الذهب: أن يكسر الطقس نفسه. كان الحجر الأسود قلب الحجّ النابض، والنقطة التي تلتقي عندها قلوب المسلمين من أقصى الأرض. ومن يملك الحجر، في تصوّره، يملك أن يعيد توجيه البوصلة كلها.

ولهذا لم يخفِ القرامطة الحجر في خزانة. أرادوا أن ينقلوا الحجّ ذاته إلى عاصمتهم، أن يصير مركز العالم الإسلامي في الأحساء بدل الحجاز، وأن تتدفّق عليهم أموال الحجيج وهيبته. كان رهاناً على فكرةٍ واحدة: أنّ القداسة تسكن في الحجر، فمن نقل الحجر نقل القداسة معه.

لكنّ الرهان خسر بطريقةٍ لم يتوقّعها أحد. ظلّ الحجّاج يقصدون مكة عاماً بعد عام، ويطوفون حول كعبةٍ ركنُها فارغ، ويقبّلون موضع الحجر الغائب. لم تتبع القداسة الحجر إلى الشرق. بقيت حيث كانت. اكتشف القرامطة، دون أن يدروا، أنهم سرقوا حجراً، لا معنى.

صدمةٌ لم يعرف الإسلام مثلها

يصعب على قارئ اليوم أن يتخيّل حجم الزلزال الذي أحدثته الغارة في الضمير الإسلامي. لم يكن الأمر مجرّد مدينةٍ نُهبت أو حجّاجٍ قُتلوا — وما أكثر ما شهد ذلك العصر من ذلك. كان الأمر أنّ أقدس بقعةٍ على الأرض، في أقدس أيام السنة، دُنّست على يد جماعةٍ تنتسب — ولو شكلاً — إلى الإسلام نفسه.

اهتزّت هيبة الخلافة العباسية التي عجزت عن حماية حرمها، وتساءل الناس في كل مكان: إن لم يكن بيت الله نفسه في أمان، فما الذي بقي آمناً؟ غذّت الحادثة شعوراً عميقاً بأنّ العالم يقترب من فوضى آخر الزمان، وهو الشعور الذي راهن عليه القرامطة أنفسهم حين بشّروا بمهديٍّ يقلب الموازين. صاروا، في نظر خصومهم، التجسيد الحيّ للفتنة التي حذّرت منها النصوص — لا عدوّاً خارجياً، بل شرخاً في الداخل.

ولم تكن الخسارة رمزيةً فحسب. فالخلافة العباسية كانت تستمدّ شرعيتها، جزئياً، من كونها حاميةَ الحرمين وراعيةَ موسم الحجّ. وحين عجزت عن منع مذبحةٍ في قلب مكة، ثم عن استعادة الحجر طوال عقدين، تلقّت ضربةً في أساس مشروعيّتها لم تتعافَ منها تماماً. واستثمر خصومها في كل مكان هذا العجز، حتى صار سقوط مكة دليلاً يُساق على أنّ زمن بغداد قد ولّى.

المهديّ الذي حكم ثمانين يوماً

ثم جاءت اللحظة التي كشفت هشاشة المشروع كله. ففي عام 931، بعد عامٍ واحدٍ من سرقة الحجر، أعلن أبو طاهر أنّ مهديّه قد حان وقته ليحكم. سلّم مقاليد الدولة إلى الشاب الفارسيّ الأصفهاني، فبدأ هذا “المهديّ” عهداً غريباً مرعباً: أمر بإحياء عبادة النار، وأحرق كتباً دينية، وراح يأمر بقتل وجهاء البحرين، حتى طال القتلُ أفراداً من عائلة أبي طاهر نفسه.

أدرك أبو طاهر، متأخّراً، أنه راهن على دجّال. ثمانون يوماً فقط استغرقها الوهم لينهار. تراجع القرمطيّ عن دعواه، وأعلن أنّ الرجل لم يكن المهديّ، ثم تخلّص منه بالقتل، وأعاد العمل بالشريعة في دولته. لكنّ الضربة كانت قد وقعت: فالحركة التي زلزلت العالم الإسلامي باسم المهديّ المنتظَر، فضحت بيديها أنّ مهديّها كان مجرّد شابٍّ عاديّ، سرعان ما تحوّل من معبودٍ إلى عبءٍ وجب التخلّص منه.

اثنان وعشرون عاماً في الأسر

بقي الحجر الأسود رهينةً في الأحساء، شاهداً صامتاً على عجز الجميع. عرض الخليفة العباسي في بغداد مبلغاً ضخماً لاستعادته — تذكر إحدى الروايات خمسين ألف دينار — فرفض القرامطة. تفاوضت بغداد، وتوسّط آخرون، ووُقّعت معاهدة صلحٍ عام 939، لكنّ الحجر ظلّ في مكانه. بل إنّ موازين القوى انقلبت إلى حدٍّ صارت معه الخلافة، التي كانت مهابةً يوماً، تدفع للقرامطة لتأمين مرور قوافل حجّاجها.

وأخيراً، نحو عام 951 — وتقول روايات أخرى 952 — أُعيد الحجر بعد نحو اثنين وعشرين عاماً من غيابه. لم يُسلَّم في موكبٍ مهيب، بل أُلقي ملفوفاً في كيسٍ داخل مسجد الكوفة، ومعه رسالةٌ مقتضبة تختصر كبرياء الفرقة كلها:

«بأمرٍ أخذناه، وبأمرٍ رددناه.»

عاد الحجر، لكنه عاد مكسوراً إلى عدّة قطع. فأُحيط بإطارٍ من الفضّة يجمع شظاياه ويحفظها — الإطار الذي ما زال يضمّ الحجر إلى اليوم، أثراً باقياً من تلك السنوات.

ويُروى أنّ الناس وقتها اختبروا صحّته بوضعه في الماء، إذ كان يُعتقد أنّ الحجر الحقيقي يطفو ولا يغرق. وهي حكايةٌ من حكايات التراث أكثر منها واقعة موثّقة، لكنها تكشف هاجساً إنسانياً عميقاً عاشه المسلمون حينها: كيف لنا أن نتأكّد أنّ ما عاد إلينا هو الحجر نفسه، لا بديلٌ صُنع في الشرق؟

أمّا القرامطة، فبدأ نجمهم في الأفول. هزمهم العباسيون عام 976، فتقلّص نفوذهم إلى مجرّد قوةٍ محلّية، ثم حلّت محلّهم دولةٌ أخرى في شرق الجزيرة، وتلاشت الحركة تماماً بحلول أواخر القرن الحادي عشر، حتى لم يبقَ منها سوى الاسم في كتب التاريخ، واسمٌ صار في الذاكرة الشعبية مرادفاً للهرطقة والتمرّد. أمّا الحجر، فلم تنتهِ محنه تماماً بعودته؛ إذ يُروى أنّ رجلاً حاول في القرن الحادي عشر أن يحطّمه بهراوةٍ داخل الحرم قبل أن يُقتل على الفور، كأنّ قَدَر هذا الحجر أن يظلّ هدفاً لكل من أراد أن يضرب الرمز في صميمه.

ما الذي يبقى؟

يختلف المؤرخون حتى اليوم في الحكم على القرامطة. يراهم بعضهم إرهابيين دمويين دنّسوا المقدّسات، ويراهم آخرون ثواراً اجتماعيين سبقوا زمانهم بأفكارٍ عن المساواة وإلغاء الفقر، ويراهم فريقٌ ثالث مجرّد حركةٍ انتهازية غلّفت طموحها بالعقيدة. والأرجح أنهم كانوا هذا كله في آنٍ واحد — وهو ما يجعل قصّتهم تقاوم التبسيط. فالتاريخ نادراً ما يمنحنا أشراراً خالصين أو أبطالاً خالصين؛ يمنحنا بشراً متناقضين، ارتكبوا العظائم باسم أحلامٍ ظنّوها نبيلة، وبنوا جمالاً فوق ظلمٍ لم يروه.

لكنّ السؤال الأعمق الذي تتركه الحكاية ليس في الحكم عليهم، بل فيما كشفته فعلتهم. لاثنين وعشرين عاماً، أدّى المسلمون أعظم شعائرهم حول مكانٍ خالٍ. قبّلوا الفراغ. طافوا حول غياب. ولم ينكسر الحجّ، بل استمرّ كأنّ الحجر لم يغب أصلاً.

ربما هذا تحديداً ما لم يفهمه أبو طاهر وهو يحمل الحجر على بعيره إلى الشرق: أنّ القداسة لم تكن في الحجارة قط، بل في القلوب التي تتّجه إليها. وأنّ دولةً حلمت بالعدل وبنته على ثلاثين ألف عبد، ثم سرقت أقدس حجرٍ لتكتشف أنها لم تسرق شيئاً، إنما كانت تكرّر مفارقةً قديمة قِدَم السلطة نفسها: أنّ بعض الأشياء، حين تحاول أن تنتزعها من مكانها، تكتشف أنها لم تكن في المكان أصلاً.

المصادر

  1. غزو مكة 930 — ويكيبيديا — https://en.wikipedia.org/wiki/Sack_of_Mecca
  2. القرامطة — موسوعة بريتانيكا — https://www.britannica.com/topic/Qarmatians
  3. أبو طاهر الجنّابي — ويكيبيديا — https://en.wikipedia.org/wiki/Abu_Tahir_al-Jannabi
  4. القرامطة — ويكيبيديا — https://en.wikipedia.org/wiki/Qarmatians
  5. الكعبة والحجر الأسود — بريتانيكا — https://www.britannica.com/topic/Kaaba-shrine-Mecca-Saudi-Arabia